كتاب وأراء

الحـقـد النـفـسـي هل يـصلــح فــــكــراً؟

أثارت قضية رحيل د. محمد شحرور مسارا مختلفا في تقديري، عن الحوار الفكري مع اجتهاداته، وهو مسارٌ مهم للغاية في بعده الأخلاقي وفي تحديد مناط ميزان الفكر في الصراعات الدينية، أو الثقافية أو الاجتماعية في وطننا العربي، وكيف يُعزل مناط الفكر عن حصيلة المشاعر.
وهذه القضية لم تولد برحيل د. شحرور ولكنها سابقة له بعقود بل بقرون في تاريخ الصراع النفسي في التراث الإسلامي، وكيف أثر على إضعاف بينة العقل المسلم، منذ القدم في مسار الأصول الفقهية وفي مضمار الاستنباط المعرفي، حين فتحت الفكرة الإسلامية مدارها الواسع لصالح البشرية.
لم أكن يوما معجباً بأطروحات د. شحرور، لكنني لا أسجل رأيي عادة إلا من خلال دراسة كافية للتجربة وللحصيلة الفكرية، ولذلك هذا التناول لن يقف مع د. شحرور ولا مساحات التأييد والرد، كما أنه لا ينكر على أحدٍ تفنيد رؤى د. شحرور عقائدياً، أو فلسفياً.
وإنما الحديث هنا عن ظاهرة صاعدة في الإعلام العربي وخاصةً في السوشيال ميديا، تقوم على فكرة تحشيد المشاعر والتدوينات، عبر ركام من الاحتقان النفسي، أكثر المتداولون لها، هم أتباع لهذا الشيخ أو المفكر أو المثقف، وليس لهم أي نظرة مستقلة للحكم على صحة ما يتداول أو ينحل على هذه الشخصية أو تلك، بغض النظر عن صوابها من خطئها.
ومع أن هذه اللغة وهذا الانحياز النفسي، الذي هو مشروع حين لا يؤثر على الاستدلال الفكري، ولا يفجر الكره الشخصي في تناول المسألة الفكرية، ليس مرهوناً بالحالة الإسلامية، وإنما للحالة العلمانية نصيب ضخم منه، غير أن المنبر الديني يقف هنا، لكي يعطي أحكاماً نهائية في مصائر الناس، وقبل ذلك في تحديد اللغة التي يجب أن تتناول بها أقلامهم ومؤسساتهم كل مختلف، أو مشكك في منظومة العقائد، حسب ما يظنون هم، أو حسب ما هي في الأصول.
وأشير هنا إلى مسألة أخرى، وهي توظيف المشروع العربي الصهيوني، لهذه الاجتهادات الشاذة في بعضها، أو المحتملة التأويل في بعضها الآخر، وبالتالي تُصنع ثقافة أصول دين مختلف، يحتج به الاستبداد لمقاومة حرية الشعوب، أو صراعه مع الجماعات الدينية المتعددة، والحقيقة أن هذا الحلف، ليس هذه مساحة استفادته فقط، بل إن منظومات التشدد الديني، أو الحزبي أو أي تحالف مصالح بين مثقفين إسلاميين أو علمانيين، يقوم بدروه لمحاصرة صناعة الرأي المستقل، الذي يحرر فكر النهضة بعيداً عن مشروع التوظيف السياسي.
ونأخذ بالاعتبار هنا، أن مساحة التيسير في الشريعة، أو تقديم الأخلاق في التعامل باعتبارها جوهرا معرفيا وسلوكيا، هي مساحة موجودة في فقه الإسلام وفلسفته، فحين يدعّيها أي طرف لصالح مشروع قمعي، فهذا لا يُسقط الأصل في منظومة الفكر الإسلامي الراشد، وقس على ذلك مدارات متعددة لمعادلة المعرفة الإسلامية، قد يستخدمها طرف محسوب على المشروع ويتطرف فيها، لكنها كأصل مثبتته في سماء الفكر والاجتهاد الإسلامي المشروع.
إنك كثيراً ما تجد في مدونات الفيس بوك أو تغريدات تويتر، أو غيرها سيلاً هائلاً من الملاعنة والاستقطاب، وعادةً تكون في صورة تكتلات ذات انتماء موحد، وحين تفكك هذه التدوية أو تلك، تجدها قائمة على مشاعر محتقنة للغاية ضد هذا المخالف، وتجد ريح الغضب الشخصي لذات الناقد، أو لمكانته في تياره أو في منابر التوجيه، طافحة على كلماته، وحافزاً أصلياً في حديثه، رغم العدد الضخم من المؤيدين له، وهذه المسألة التي اعتنى بها المتصوفة قديماً، ذات علاقة بتضخم الذات باسم الدفاع عن الحق.
فلا تحتاج لكثير من التأمل حتى تقف على الدافع الشخصي، الذي أحياناً لا يمكن فصله عن الحقد الذاتي أو النفسي، وانحياز النفس أمرٌ لا طاقة للناس بتجنبه، غير أنه حين يكون لغة الحديث والتحرير، فلا يعتبر ميداناً فكرياً، بسبب حمولة الصراع الضخمة، التي تهيمن على الخطاب.
وللحديث بقية..
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل