كتاب وأراء

الإبداع «تعريف عن النفس للآخرين» لماذ أكتب الشعر ؟

أكتب (لأغير العالم).. لم أجد يوما أن هذه المقولة الكبيرة مناسبة للشعر، الشعر ليس فعلا نضاليا، النضال فقط هو ما يغير العالم، النضال الجماعي والمستمر والمتراكم، حتى النضال الفردي لا يمكنه أن يفعل ذلك، لا يمكن لأي كتابة أن تغير العالم، لأن الكتابة عموما ليست فعلا نضاليا، والشعر، تحديدا من بين كل أنواع الكتابة، هو الأكثر هشاشة، والأكثر بعدا عن أن يكون ذلك الفعل النضالي الجمعي،
هو أصلا فعل فردي، فردي ومستوحش جدا، ومريض ربما، كتابة الشعر تشبه المرض، وعلاقة الشاعر بالكتابة علاقة مرضية، علاقته بشعره أيضا أشبه بأن تكون مرضية، إذ ثمة استنزاف متواصل لروحه، وثمة خوف وألم وهو يكتشف جزءا من لا وعيه كلما كتب قصيدة أو نصا جديدا، كيف لفعل يشبه المرض أن يغير العالم؟!
دائما ما كنت أتساءل وأنا أقرأ لشعراء عرب كبار مقولات عن الشعر والتغيير، عن قدرة الشعر على حمل ما يصرون على تحميله إياه، بينما أنا كنت أرى الشعر، وما أزال، ذا جسد نحيل لا يقوى على الوقوف وحيدا دون عكاز يستند إليه، لا يصمد الشعر دون باقي الفنون، ولا تصمد الفنون دون وجود حامل بشري يتلقاها، لكن هذا الحامل يحتاج إلى ثقافة تساعده على التذوق والتفاعل والتمييز، الثقافة التي تنشأ من مجموعات مركبات تنتجها النظم الحاكمة، سلسلة طويلة من المشاريع والخطط التعليمية والتربوية، وأسس تنموية تنفذ إلى عمق المجتمع، ويبدأ تطبيقها فيه منذ الطفولة، أسس تعلي من شأن الجمال والمعرفة والفكر والثقافة، عندها ربما يمكن للفنون وللشعر أن يكون له دور في عملية تغيير ما، لكنه ليس التغيير الجذري ولا المجتمعي، وإنما التغيير في الوعي الجمالي وفي ذائقة التلقي السمعية والبصرية، تحتاج الفنون إلى سيادة العدالة، العدالة الاجتماعية والإنسانية، تخيلوا مثلا شاعرا حداثيا يلقي قصيدة وسط مجموعة من الجائعين الذين لا يجدون لقمة عيشهم؟ تخيلوا فنانا تشكيليا يعرض لوحة تجريدية في مستشفى شعبي، أو في معتقل يذوق فيه السجناء كل أصناف التعذيب؟! هل ستشبع القصيدة الجائعين أو تنقذ اللوحة المساجين من سجنهم أو المرضى من أمراضهم؟! من يحدث هذا التغيير هو العدالة، العدالة التي تحققها قوانين تكفل حقوق الجميع، الشعر لا يمكنه فعل ذلك أبدا.
الشعر أيضا لا يغير في الأفراد، ربما حتى لا يمكنه أن يحدث تغييرا لدى الشاعر نفسه! لم يغير الشعر من انحيازات شعراء للاستبداد، ولم يستطع الشعر يوما أن يحول شاعرا من شخص بخيل إلى كريم، ولا من شخص حاقد إلى متسامح، لم يفعل الشعر يوما ذلك إلا في حالات نادرة جدا، لو أنه يفعل ذلك لكان الشعراء في مقدمة المجتمع، لكن الشعر أكثر هشاشة من أن يفعل حتى ذلك! يكفي الشعر أن يقدم بعض المتعة لقارئه، المتعة التي يبدأ معها النُمل فيها بالتصاعد من أطراف القدم حتى أعلى الرأس، ربما يغير الشعر الذائقة الجمالية في التلقي كما قلنا، لكن هذا يحتاج إلى زمن طويل وإلى جهد تراكمي، الشعر كائن معزول لا يشبه الفحولة التي يتباهى بها بعض الشعراء الكبار.
سألني أحد الأصدقاء يوما بعد حديث كهذا عن الشعر: لماذا تكتبين إذا ؟! لم يكن لدي حواب واضح، ربما كي لا أذهب إلى أطباء نفسيين، أو كي أبعد عني وطأة الوحدة، وربما كي أرضي رغبة خفية بأن أكون معروفة ومتميزة، وربما لا لأجل أي شيء آخر سوى أنني لا أعرف أن أفعل شيئا غير الكتابة، أحيانا أتمنى لو أنني مغنية، أعزف على آلة موسيقية، ناي أو عود، وأغني، لكنني لا أعرف فعل ذلك، لا أعرف أن أرسم، أحب لو أنني تعلمت الرسم، لو أنني راقصة باليه، أحب الفنون الفردية التي تؤكد الحضور بطريقة ما، الشعر إحدى هذه الفنون، وأنا أصبحت أتقنه، إن كان الشعر يتقن أصلا، ويصبح هو الهوية واللغة، واللغة هي الهوية، حين اقرأ شعرا في دولة أوروبية، سيعرفونني من لغتي، لغتي الشعرية أقصد، ستصبح هويتي عندهم هي هذه اللغة! أنا أيضا أحتاج إلى هوية أنتمي لها الآن بعد أن فقدت هوياتي كلها، لم يبق لي سوى الشعر أتقدم به كتعريف عن نفسي للآخرين.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران