كتاب وأراء

محـركــات الأزمــة النموذج الحداثوي القطري

تعددت النظريات التي تفسر التأزم الخليجي الذي أكمل السنتين ونصف السنة، بدءاً بنظرية تقول: إن (النموذج الحداثوي) الذي جسدته قطر، شكل تحدياً وإحراجاً سياسياً مقلقاً لدول الجوار أمام شعوبها، فكان لا بد من تحجيمه، مروراً بنظرية، ترى أن سياسة قطر في دعم الشعوب العربية، شكلت تهديداً لهذه الدول، وانتهاء بنظرية تشخص الأزمة في (الثراء القطري) الذي أطمع دول الجوار في الاستيلاء عليه، وسبب هذا التأزم الذي أصاب العمل الخليجي المشترك بالشلل.
لن أناقش النظريتين الأولى والثانية، وسأركز نقاشي على النظرية الثالثة التي تجد انتشاراً عبر وسائط التواصل الاجتماعي ونوعاً من القبول لدى كثيرين.
أولاً: لا أساس فلسفياً أو فكرياً، يحتم الربط بين الأوضاع الاقتصادية والسلوك السياسي للدول، في عالم العلاقات الدولية.
ثانيا: ومع ذلك، ما زال الربط بين (العامل الاقتصادي) و(السلوك السياسي) منهجاً شائعاً في أدبيات البحث العلمي، لدى باحثين عرب وغربيين، فما أن يقع أي حدث أو واقعة أو أزمة، داخلياً أو خارجياً، كبيراً أو صغيراً، حتى يعلل ويربط بالعامل الاقتصادي، ويبدأ التفتيش والتنقيب عن سبب اقتصادي وراءه، طبقاً لمقولة: فتش عن الاقتصاد، تذكرنا بمقولة: في كل مصيبة، فتش عن المرأة ! ثالثاً: لاشك أن العامل الاقتصادي، عامل مهم، في العلاقات الدولية، وله قوته وتأثيره، ووفرة المال، من جملة العوامل المفسرة لفعالية ونجاح السياسة الخارجية لدولة قطر، في توثيق علاقاتها مع دول العالم وعلى رأسها القوى الكبرى، ومع ذلك، ليس هو العامل الأكثر تأثيراً، فضلاً عن أن يكون المحرك الوحيد للسلوك السياسي للدول، هناك عامل (النفوذ) مثلاً، وهو أقوى تأثيراً، وهو ما يفسر سلوك جارتنا المقابلة إيران، إذ لا تتوانى في تسخير اقتصادها في خدمة نفوذها.
رابعاً: لست من أنصار نظرية (العامل الواحد) في تفسير أحداث التاريخ، وأزمة خطيرة، مثل التأزم الخليجي بتعقيده وتجذره وتداعياته السلبية الضخمة على مجمل العمل الخليجي والعربي، لا يمكن تفسيره بعامل واحد، مهما كانت أهميته.
خامساً: إنه من تبسيط القول، اختزال أزمة معقدة وخطيرة، زلزلت أركان مجلس التعاون، بالقول: أن الطمع في الثراء القطري، وراء التأزم الخليجي، هذا يذكرني بتشخيص البعض للظاهرة الإرهابية: غياب الديمقراطية، هو العامل الرئيس وراء الإرهاب ! سادساً: جذور التأزم الخليجي، بعيدة وغائرة في عمق الخلاف القطري مع الجيران، عندما وصف (الاجتهاد القطري) في نهجه السياسي المستقل، بالتغريد (خارج السرب)، بل إن جذور التأزم، سابقة بكثير على ثراء قطر، إثر عوائد مشروعات تسييل ونقل الغاز ومشتقاته، إضافة إلى مواردها من البترول.
سابعاً: من نسميهم بالطامعين فينا، لا يقلون ثراء عنا، بل هم أكثر ثراء، موارد وسكاناً وأراضي، فما حاجتهم إلى موارد قطر ؟! وما منطقية هذا الطمع،الذي أعقب تأزماً خليجياً، هم فيه الأخسرون مالياً ؟! ثامناً: الدول الخليجية الثلاث: السعودية، الإمارات، قطر، لا تشكو نقصاً في الموارد، ولا يشكل المال محركاً لسلوكها، بل عندها من الوفرة ما تعين به الدول الأخرى في هيئة: استثمارات ومساعدات وهبات، ودول بهذا الثراء، لا يمكن تفسير سلوكها السياسي بالعامل الاقتصادي، بل هذه الوفرة جعلتها تنتهج سياسة (الاقتصاد خادم للسياسة) بخلاف الدول التي تجعل (السياسة خادمة للاقتصاد) وهذا ما يفسر تطاول أمد الأزمة، وفرة المال جعلت الفرقاء في غنى عن بعض، طبقاً للشاعر: كلانا غني عن أخيه حياته …ونحن إذا متنا أشد تغانيا وأخيراً: لماذا لا نعد الثراء القطري عاملاً إيجابياً لصالح الكيان الخليجي، يعمل في خدمة قضايا الخليج والعرب والمسلمين ؟! ولماذا لا تكون الخبرة القطرية المكتسبة من مشاريع النفط عامل تقارب وتكامل وتعاون مثمر بين قطر ودول المجلس ؟!
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري