كتاب وأراء

«23» ديسمبر كانون الأول

في مثل هذا اليوم من العام 1992م وُلد البريطاني «أورلين هايمان» الذي يُعاني من حالة طبية نادرة اسمها «Hyperthemesia» والتي تجعله قادراً على تذكُّر جميع تفاصيل حياته وأي شيء رآه على مدار حياته باليوم والساعة!
يرى البعض أنّ هذه ميزة خارقة عند «هايمان» ولكني شخصياً أراها إعاقة وإن كان لها جانب محمود وميزة مُذهلة لا سبيل إلى نكرانها، والسبب في رأيي هذا هو أني أجده كاميرا تسجيل أكثر منه إنساناً مثلنا، فالنسيان نعمة ليس لأن ميادة الحناوي قالتْ ذلك في أغنيتها الشهيرة، ولكن لأن النسيان هو رحمة من اللهِ لعباده!
نحن نعيش لأننا قادرون على النسيان، ولولا النسيان لكانتْ الحياة البشرية جحيماً لا يُطاق!
نحن نفقد أحبَّتنا من وقت لآخر، ومع الوقت ننسى، ونتكيَّف مع الفقد، ونطوي الصفحة ونعيش، صحيح أنّ مكان الأحبة يبقى فارغاً لا يملأه أحد، ولكن تخيَّلوا حياتنا كيف ستكون لو أنّنا بقينا نتذكّّر فقد آبائنا وأمهاتنا - رَحِمَ الله الأموات منهم وأطال بعمر الأحياء- أبد الدهر، كيف سنعمل، كيف سنأكل، كيف ستمضي الحياة قدماً بعد هذا!
لا يُوجد بيت إلا وتقع فيه المشاكل الزوجية، تحتدمُ الأمور، ثم تُحلُّ، ننسى الذي قلناه والذي سمعناه، ويعود الود لحاله، والحُب إلى شكله القديم، فكيف ستكون الحال لو بقينا نتذكر!
الحياة برمتها سلسلة من الآلام والنكد، تتخلَّلها أيام حلوة سعيدة، فلو بقينا نتذكر كل وجع توجَّعناه، وكل إهانة تلقيناها، وكل غدر مررنا به، وكل كلمة جارحة قِيلت لنا، لانفجرنا كالعُبوات الناسفة قبل أن نبلغ الثلاثين من العمر، ولَشِخنا ونحن في ريعان الشباب، ولكن جلَّتْ قدرة الخالق العليم الذي أبدع كل شيء في خلقه فجعلنا ننسى لنعيش!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي