كتاب وأراء

«22» ديسمبر كانون الأول

أدهم شرقاوي
في مثل هذا اليوم من العام 1946م وُلد أُستاذ الشطرنج وعالِم النفس التربوي الهنغاري «لازلو بولغارو» الذي كان يُؤمن أن العبقرية مُكتسبة ولا علاقة لها بالفطرة، ولإثبات وجهة نظره ألَّف كتابه الشهير «كيف تُربِّي عبقرياً؟!» وطبَّق مبادئ الكتاب على بناته الثلاث «سوزان وصوفيا وجوديت» اللواتي فُزن جميعاً ببطولة العالم للشطرنج، وتربَّعت جوديت على قائمة التصنيف العالمي لسنوات، أما المركز الثاني فكان لسوزان، بينما كانت صوفيا ضمن العشرة الأوائل دوماً!
في مقدمة كتابه قال لازلو: العباقرة يُصنعون ولا يُولدون! وتُعتبر تجربته على بناته واحدة من أكثر التجارب المُذهلة في تاريخ التعليم البشري!
على أن الحق يُقال أن العبقرية هي اجتماع التربية مع الاستعداد الفطري، وإلا فلماذا تفوَّقت جوديت على أُختيها وقد تربَّين ضمن نفس الظروف وعلى نفس الخطة والمبادئ؟!
ثانياً: العبقرية أنواع وكل عبقري إنما يبرعُ في المجال الذي لديه استعداد فطري لأن يبرع فيه إذا وجد البيئة/‏ التربية المناسبة، وكون لازلو ربَّى ثلاث بطلات شطرنج فهذا لا يعني أنَّه كان بإمكانه أن يجعلهن روائيات عظيمات، أو جرَّاحات بارعات!
المتنبي كان معجزةً في الشعر، وابن سينا كان معجزة في الطب، والشافعي كان معجزة في الفقه، والخليل بن أحمد كان معجزة في اللغة، على أن المتنبي لم يكن ليصبح طبيباً لأنه وُلد ليكون شاعراً، وابن سينا لم يكن لديه الاستعداد الفطري ليكون كالشافعي، والشافعي شيء والخليل بن أحمد شيء آخر، وليس أدل على هذا من أن الخليل الذي وضع علم العروض الذي يحكم الشعر لم يكُن شاعراً أساساً، لأن الشعر شيء والعروض شيء آخر، وامرؤ القيس وذي الرِّمّة وعنترة وعمرو بن كلثوم قالوا شعراً عظيماً قبل أن يُولد الخليل بمئات الأعوام!
الفكرة من هذا كله علينا أن ننظر إلى كل الأطفال أنهم يملكون الاستعداد الفطري للتعلُّم والنُّبوغ، ولكن في مرحلة ما علينا أن نُقِر أن لكل إنسان مجاله، وحمل طفل على غير قدراته كمحاولة تعليم السمكة الطيران!

أدهم شرقاوي