كتاب وأراء

مـقـتــطـــفـــات صـحـــفـــيـــــة عــــاجــــلـــــة

منطقياً، على من يريد امتهان مهنة ما أن يجيد استخدام أدواتها، فلا يمكن أن يكون نجاراً إذا لم يكن يجيد استخدام المنشار مثلاً، واللغة أداة الصحفي الأولى، فكيف ينجح هذا الصحفي إذا كان لا يجيد لغته؟ جمعت خلال أيام أخطاء لا يمكن قبولها، وهَنات لا تقبل من صحفي مخضرم.
عرّف أحدهم نفسه، أو عرّفته الصحيفة التي يكتب فيها، بأنه «صحافي وكاتب ومؤلف» وهل يكون المؤلف غير كاتب؟ وما الفرق بينهما؟ أما القول إنه «صحافي» فخطأ لغوي، ويعرف أصغر دارس أن النسبة تكون للمفرد دائماً، مع بعض الشواذ، كالقول «جزائري» نسبة إلى الجزائر، ويخطئ كثيرون هذا الخطأ، ومنهم من يقولون «صُحُفي» بضم الصاد والحاء، وهذا خطأ أيضاً، إنما النسبة فهي إلى «صحيفة» وهي صحفي، كما نقول «مدني» نسبة إلى مدينة.
من الأخطاء الشائعة كثيراً قول بعضنا «أهرامات الجيزة» ولكن لا يجوز أن يقع في هذا الخطأ كتاب عدّتهم الأولى اللغة. المفرد هرم، والجمع أهرام، أما «أهرامات» فجمع الجمع، وكم هرماً في الجيزة؟ إنها ثلاثة، فهل تستحق أن نسميها بصيغة منتهى الجموع؟ ويشبه هذا ما يقوله معظم الناس «طلب الطبيب أن أجري فحوصات».
ومردّ كثير من الأخطاء التي تكثر في كتابات الصحفيين أنهم لا يتوخون الدقة، وربما حفظوا خطأ، وظلوا على خطئهم دون أن يراجعوه. كتب أحدهم «أسوأ معالم العماء هو الغضب» وسأترك الآن سوء صياغة الجملة لأركز على كلمة «عماء» وواضح أنها مصدر من الفعل «عمِيَ» ولو أن الكاتب أتعب نفسه قليلاً، وعاد إلى أي معجم (وليس إلى أي قاموس كما هو شائع خطأً) لوجد المعجم يقول: عمِيَ يعمى عمىً فهو أعمى وهي عمياء، فمن أين أتى بالمصدر«العماء»؟
عودت نفسي منذ بدأت الكتابة الصحفية ألا أعتمد على الذاكرة، بل ألجأ إلى ما يعطيني الصواب والحقيقة، فكيف إذا كنت سأورد آية كريمة أو حديثاً نبوياً؟ أحد الكتاب أورد حديثاً مشهوراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشراط قيام الساعة الصغرى والكبرى، فقال «ولم يعد الأمر مقتصراً على رعاة الشاه» الخطأ الأول أنه وضع الهاء مكان التاء المربوطة فصارت الكلمة تعني رتبة ملكية، هل تذكرون شاه إيران؟ ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، بل قال «وأن تجد الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» المعنى واحد، ولكن لا يحق للكاتب أن يغير ألفاظ الحديث.
قال لي صديق محب مشفق: ألا تملّ؟ منذ سنوات وأنت تطارد أخطاء الكتاب والصحفيين والإعلاميين، فهل ارعوى هؤلاء عن غيهم وصححوا أخطاءهم؟ شكرته وقلت: إنها حرب بين فريقين، الأول أولئك الذين يستهينون باللغة، والآخر عشاق هذه اللغة العظيمة التي شرفها الله سبحانه وتعالى بأمور كثيرة «ولسان أهل الجنة عربي» والقرآن العظيم نزل بهذه اللغة الرائعة، ويجوز تفسير معاني القرآن، ولكن لا تجوز قراءته في الصلاة إلا بالعربية كما نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
نبهنا كثيراً إلى الأخطاء الشائعة في استخدام «بعض» وآخر ما قرأت قول أحدهم «ربط هذه التصريحات ببعضها» فماذا قال العرب عن بعض؟
بَعْضُ الشيء طائفة منه والجمع أَبعاض، فعندما نقول بعض الناس فإنما نعني أفراداً من مجموع، والعبارة التي أوردتها للكاتب تعني ربط التصريحات ببعض منها، وبالمناسبة يشيع بين الناس القول «البعض والكل» ونذكر أن عالم اللغة الزجاجي استعمل بعضاً بالأَلف واللام لكنه قال: وإِنما قلنا البَعْض والكل مجازاً وعلى استعمال الجماعة لهُ مُسامحة وهو في الحقيقة غير جائز، يعني أَن هذا الاسم لا ينفصل من الإضافة. قال أَبو حاتم: قلت للأصمعي: رأَيت في كتاب ابن المقفع «العِلْمُ كثيرٌ ولكن أَخْذُ البعضِ خيرٌ مِنْ تَرْكِ الكل» فأَنكره أَشدَّ الإِنكار وقال الأَلف واللام لا يدخلان في بعض وكل لأَنهما معرفة بغير أَلف ولامٍ، وأَجمع أَهل النحو على أَن البعض شيء من أَشياء أَو شيء من شيء.
اقرؤوا معي هذه الجملة «التأكيد طبعاً على وصول الأمور إلى ذرى غير مسبوقة» ألم تلاحظوا كم هي ركيكة؟ وأن فيها خطأ نحوياً، فالفعل «أكـّد» والمصدر أيضاً يتعدى بنفسه ولا يحتاج إلى حرف الجر «على» كما هو شائع في كتابات الصحفيين، ولا حاجة إلى إيراد طبعاً، وكان عليه القول: تأكيد وصول الأمور. وثمة فعل آخر يتكرر في لغة الصحافة والإعلام متعدياً بحرف «على» وهو فعل «اعتاد» وآخر ما قرأت قول أحدهم «إن الشعب ليس معتاداً على هذه الظواهر» والقول «اعتاد على كذا» أو «تعود على كذا» من العامية وليس من العربية الصحيحة في شيء.
لطالما ضايقني استعمال الكتاب كلمة «هكذا» كأن يقولوا: إن هكذا مؤتمرات لن تسفر عن شيء، أو: إن هكذا ممارسات قد تدفع الجماهير إلى العصيان، وهذا كلام لا معنى له، وليس من العربية النقية في شيء. هذه أولاً ليست كلمة واحدة، (ونعرف أن أساس النحو قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لأبي الأسود الدؤلي: الكلمة اسم وفعل وحرف، فانحُ نحو هذا) فكلمة «هكذا» مركبة من ثلاث كلمات: «ها» للتنبيه، والكاف للتشبيه، و«ذا» اسم إشارة ومعناها: على هذا النحو: هكذا تنقضي دوما أمانينا - { فلما جاءت قيل أهكذا عرشك } وفي المثالين اللذين أوردتهما (وأمثالهما أكثر من أن تحصى) ماذا شبهتم وبماذا؟
قرأت لأحدهم «يخدمان مرامٍ أجنبية» وكثيراً ما قرأنا «إن إسرائيل تحتل أراضٍ عربية» ويسمى هذا اسماً منقوصاً، أي ينتهي بحرف علة وإعرابه أن يحذف حرف العلة في حالتي الرفع والجر، لأن «الحركة» لا تظهر على الحرف، تصور أنك ستــــــقول «جــــــاء قاضيٌ» أو «مررت بقاضيٍ» أما في حــــــــــال النصب فإن «الحركة» تظهر فوق الحرف «رأيت قاضياً» ولكننا لا نقول «يخدمن مرامياً أجنبية» ولا نقول «تحتل أراضياً» لأن الكلمتين على وزن مفاعل، وهما بالتالي ممنوعتان من الصرف أو من التنوين، فنقول «مراميَ وأراضيَ»
قرأت لأحدهم «ويصف أبي بشار بقوله» ويبدو أن صاحبنا لم يسمع بإعراب الأسماء الخمسة وهي «أبٌ وحمٌ وأخٌ وذو وفو» إذ ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، وقد روى أحد علماء اللغة (لعله الأصمعي) أنه أذهلته فصاحة فـتاة بدوية كانت تملأ قربتها من النهر، فأعجزتها القربة فنادت «يا أبت أدرك فاها، لقد أعجزني فوها، لا قدرة لي على فيها» وهكذا جمعت في ندائها حالات الاسم الثلاث. وذكرني قول صاحبنا بما رواه ابن الجوزي في كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» عن أحمق تفاصح على أحمق آخر، فقال «إذا كان الرجل من عِلية القوم قالوا: أبا، وإذا كان من أواسطهم قالوا: أبو، وإذا كان من أراذلهم قالوا: أبي»

نزار عابدين