كتاب وأراء

ترامب.. بين «العزل» والانتخابات المقبلة «2-2»

كان أندرو جونسون هو أول رئيس أميركي يصوت مجلس النواب لعزله في عام 1868 وبعدها بأكثر من 130 عاما صوت المجلس لصالح عزل الرئيس بيل كلينتون في عام 1998 وفي كلتا الحالتين قام مجلس الشيوخ بتبرئة الرئيسين واستمرا في ممارسة المهام الرئاسية ومن الجدير بالذكر أنه في حالة الرئيس كلينتون كان الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس الأميركي بغرفتيه النواب والشيوخ،
وهناك حالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون صاحب أشهر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة «ووترغيت» وتمثلت في التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي بوضع أجهزة تنصت وتسجيل عشرات المكالمات لأعضاء الحزب في يونيو 1972 وفاز بعدها نيكسون بسهولة بولاية ثانية في نوفمبر من العام نفسه، ورفض الرئيس الكشف عن محتواها كاملًا، وتوالت الأحداث حيث تمت إدانة العشرات من الأشخاص وأقرت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية استخدام الرئيس لسلطاته التنفيذية، لحجب أجزاء من الأشرطة وتم الكشف عن محتواها بأكمله وأدين نيكسون بثلاث تهم هي استغلال النفوذ وعرقلة مسار القضاء وعدم الانصياع له، إضافة إلى تهمة الكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي وفي حوار تليفزيوني أقر نيكسون بالأسف الشديد لما حدث وفي 8 أغسطس 1974 أعلن استقالته ورغم الاستقالة بدأت محاكمته في سبتمبر من نفس العام قبل أن يصدر خلفه الرئيس جيرالد فورد عفوًا عنه لأسباب صحية وكان بطل فضيحة ووترغيت ومن سرب المعلومات الخاصة بها للصحفيين بالواشنطن بوست بوب وودورد وكارل برنشتاين، وظل يعرف لمدة طويلة بالحنجرة العميقة هو المسؤول في مكتب التحقيقات الفيدرالي مارك ويليام فيت، ويجدر الإشارة إلى أن الرئيس نيكسون وفي يناير 1973 هدد فيتنام الجنوبية بتعليق المساعدات العسكرية إليها إن لم توافق سايغون على خطته الرامية لعقد السلام مع شمال فيتنام، وضغط بشدة إلى أن تم توقيع الاتفاق في باريس وهو ما حقق له انتصارا دبلوماسيا كبيرا لتغطية الانسحاب الأميركي التدريجي من فيتنام والذي بدأ في 1969 وكان ركنا هاما من سياسة نيكسون عند انتخابه في العام نفسه. يتشابه الرئيس ترامب مع الرئيس المستقيل نيكسون في الكثير من الأحداث، وإن كان مستبعدا تمامًا أن يلاقي نفس المصير، جاءت استقالة نيكسون نظرًا لفضيحة داخلية المتعلقة بالتجسس على الحزب الديمقراطي تم كشفها بسرعة بينما الخارجية المتعلقة بفيتنام لم يتم الكشف عنها إلا في أواخر التسعينيات بعد رفع السرية عن الملفات المتعلقة بها، ويتمتع ترامب بدعم مطلق من حزبه الجمهوري واعضائه في غرفتي الكونغرس بينما في حالة نيكسون كان الحزبان متفقين على ضرورة الحزم تجاه نيكسون، ربما لأنه استهدف بالتنصت والتجسس الداخل الأميركي ورأى الجمهوريون أنهم لو تغاضوا عن هذا فستكون بمثابة فضيحة سياسية وأخلاقية سيعاني منها الحزب بأكمله، وتؤثر عليه لفترة طويلة وغيرها من العوامل والظروف الداخلية التي حتمت هذا الاتفاق وهو ما يوضحه الاستمرار في محاكمته رغم أن نيكسون سبق هذا وتقدم باستقالته، ويختلف ترامب عن كل من سبقوه في مواجهة العزل من منصب الرئيس أن جميعهم تعرضوا لها على العكس منه في ولايتهم الثانية ولأسباب داخلية بحتة، بينما يواجه ترامب تهما يختلط فيها الداخل بالخارج، فالأولى هي: إساءة استخدام سلطاته، حيث يتهم بمحاولة الضغط على أوكرانيا لتشويه سمعة نائب الرئيس السابق باراك أوباما والمنافس الديمقراطي المحتمل لترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة «جو بايدن» عبر تعليق مساعدات عسكرية تبلغ 400 مليون دولار، والتهمة الثانية: عرقلة عمل الكونغرس عبر منع مساعديه من الإدلاء بشهاداتهم أمام اللجنة القضائية بمجلس النواب في إطار إجراءات مساءلة الرئيس. كل الدلائل تؤكد أن ترامب ستتم تبرئته هذا لو وصلت لائحة الاتهام لمجلس الشيوخ من الأساس ولكن ستبقى ورقة اتهامه ومحاكمته بمثابة السلاح الذي سيستخدمه الديمقراطيون لاستمرارية الضغط على ترامب، واستنزاف الجمهوريين لصالحهم في الصراع الانتخابي القادم، وسيستخدمها ترامب للعب دور الضحية المستهدف من الديمقراطيين الذين يكرهونه رغم إنجازاته الاقتصادية وسيحاول الجمهوريون اللعب على أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الأميركيين يريدون طي صفحة عزل ترامب، وإنهاء حالة الانقسام الداخلي بسببها مع عدم إغفال تحفز مؤيدي ترامب ضد أي احتمالية لعزله أو حتى خسارته للانتخابات القادمة وهي الورقة التي يجيد ترامب استخدامها وتضخيمها في خطاباته المتكررة، ويستخدم فيها ألفاظا حادة تستهدف كل من يخالفه ويقف ضده بطريقة لم يسبقه إليها أي رئيس أميركي من قبل.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري