كتاب وأراء

الوطنيَّةُ الحقيقيَّةُ والزائفَة

لا يوجد اعتبارٌ للوطنيَّة إن كانت تتمثَّلُ في حَملِ شعاراتٍ وهتافاتٍ كبيرة طنَّانة والتَغَنِّي بها، دون عملٍ وعطاءٍ، في كُلِّ حين. كُلُّ النَّاسِ تحِبُّ أن تتغنَّى بمَن تُحِب، والوطن محبُوبٌ عظيمٌ من المحبوباتِ دونَ أدنى شَكّ، لكن بئس المحبَّة التي لا يكُونُ العملُ الصادقُ سبيلًا للتعبير عنَها، تلك الجُرعات الجميلة التي تظهرُ إلى السطح من هتافات وتغنٍ وتباهٍ لا تلبَثُ إلا أن تنتهِي، فلكُل زمانٍ قسطُهُ من الراحة والترنُّمِ والانبساط، أما العمَل والإنجاز والعطاء فهو المحكُّ الذي يُظهر أكانَ المحبوب وفيًا صادقًا لمحبوبه أم إنَّ المحبَّة لم تكُن إلا ادعاءاتٍ مُبهِرَة يُردِدُها مع الجميع دون إيمان منهُ واقتناعٍ وتفعيل، وكأنَّها بديهَةٌ من البديهيَّات، لا تتطلَّبُ منهُ بذلَ أيِّ حَقٍ وواجِب.
إنَّ الشعارات والاحتفالات والكتابات والمقالات والتغريدات والأشعارُ والأعلامُ والأوشِحَة التي نطرَبُ ونأنَسُ ونسعَدُ بها جميعًا، تظَل تمظهُرًا بسيطًا للمحبَّة والوطنيَّة، فالوطنيَّة الحقَّة هي خدمَة الوطن بالعمل الجادِّ النافِع وبدفع الشَرِّ، أيًا كان، بالخيرِ والصالِح، والنُصحِ والاستنصاح، الإرشاد والترشيد، المُحافظة على الموارِد الوطنيَّة لا استنزافها وحلبُها، لا تدميرها ونهبها، لا سرقتها واغتصابها، لا العبثَ...لا الخيانة. الوطنيَّة، أن تسأل نفسَك: ماذا قدَّمتُ لوطنِي؟ قبل أن تسأل: ماذا قدَّم الوطنُ لي؟
ثمَّة صِنفٌ لا يأبَهُ أبدًا بواجباتِهِ ومسؤولياتِه نحو وطنِه بل تجِدهُ يُفتِّش في كُلِّ مسألَة يُمكِنهُ أن يستدِرَّ مِنها حُقوقَه ومطالبَهُ المترتِّبَة، أليسَت الحُقوق تستوجِب القيام بالواجِبات أولًا على أتمِّ وجه؟ هل من الوطنيَّة في شيء أن يكُون الموظف ضميرًا غائبًا في عملِه، لا يتفاعَل مع منظومته المهنيَّة، لا يحضُر إلا فيما ندَر، وإن حضَر يقضِي وقتَهُ في تصفُّح مواقِع التواصُل الاجتماعِي والتفاعُل النشِط مع ما تتضمنهُ من مُستجِدَّات، وفِي نهاية اليوم يُطالب رؤساءهُ بترقيَه (يستحِقُها) نظير عمرِهِ الطويل في (خدمَة) المنظمة المؤسسة، ويتساءل عن غياب آليَّات التطوير والتنمية المهنيَّة!، كُلُّ ذلك وهو يتساوى تمامًا مع كُرسِيِّ مكتبِه الساكِن الذي لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ ولا يُحرِّكُ ساكِنًا! ليسَت الوطنيَّة أن ينشَطُ المرء في صفحات الدفاع عن الوطن، ويذُودُ عنهُ إلكترونيًا بشتَّى الطُرق والأشكال المُبهرَة، ثم تجدهُ، ابتداءً من قارعَة الطريق إلى مقرِّ عملِه وُصولًا إلى جوفِ منزِلِه لا يلزَم الصلاح والسلامَةَ ودفعَ الأذى في شيء، فقيادتهُ متهورة ولسانُهُ بذِيء وتعامُلُه الأخلاقي (انتقائي وظَرفِي)، وعطاؤهُ، في كُلِّ جانِب، بخسٌ زهيدٌ لَمَام، وقِس على ذلك من أذىً وبَرحاءٍ مُصاحِبٍ لنفسِهِ وللآخرين وصُولًا إلى وطنِه، ولَعمري، هذه هي الوطنيَّةُ الزائفة، هذه هي الوطنيَّةُ المُدَّعاة.
قارئي العزيز، يتباكَى الناس من حَولِنا على غياب أوطانهم الحقَّة، منهُم من لم يجِد لنفسِهِ وطنًا وعاش في غُربِة وتِرحال، ومنهُم من تأذَّى من وطنِه فباتَ غريبًا في مسكَنِهِ ومَثواه، ومنهم، وهُم كثيرٌ في هذا الزمن، من ثارَ على وطنِه فثَار عليه، وباتَ يُعانِي الأمَرَّين، مرارَة الإقصاء ومرارَة الحنين، والبعضُ وُلِدَ، قدرًا، في أرضٍ تلفظُهُ كُلَّ يوم وتّذكِّرَهُ بأنَّهُ لا ينتمِي إليها، رُغمَ أنَّه لا ينتمِي (إلّا) إليها وحدَها، ولا وطَنَ لهُ ولا بِلادَ ولا هُويَّة سِواها...هؤلاءِ وغيرهم يُعانون صراعًا مع وطنيتهم يجعلهُم في حالة قلقٍ وهاجِس بين مسافَة الأمان الواجِبة ومسافة الخطر المحتملَة، هذه المسافات المضطربَة في أوطان الآخرين، عليها أن تجعل من ينعَمُ في وطنِهِ بظِلٍ ظليل وطمأنينَة نفسٍ واستقرارِ بالٍ مكين ومسافَةٍ انتماءٍ وضمانٍ وأمانٍ؛ في حمدٍ وشُكرٍ دائمٍ على هذِهِ النعمة العظيمة التي يفتقِدُها كثيرُ الكثير مِمَن يحيَون في هذه المعمورَة، وشُكرُ النعَم هذا لا يتأتَّى إلا مِن خِلال استخدام النعمَة فِيما خُلقت من أجلِه، وفي هذا إظهارٌ للنعمةِ وإبرازٌ لها، وهو سببٌ لبقاءِ هذِهِ النعمة واستمرارها بإذن الله تعالى، فحَيَّ، إذَن، على خَيرِ العمَل...الوطنيَّة الحقَّةُ الفاعِلَة المُستحقَّة.
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾
{ إعلاميَّة وباحثة أكاديميَّة- جامعة قطر
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي