كتاب وأراء

لمحات من سنوات قديمة «2»

في نفس تلك الأيام إلتقيت بالروائي الراحل الطيب صالح في موسم أصيلة الثقافي بالمغرب، سألت عنه في الفندق.. وحين تحدثت معه عبر الهاتف الداخلي أخبرته بأنني صحفي يرغب في إجراء حوار معه.
لم تمر سوى دقائق قليلة الا وأنا أبصر الطيب صالح بكل ما يحيط به من أضواء نجومية الرواية والكتابة الثقافية، يصل إلى استقبال الفندق.. ليرحب بي بحرارة شديدة.
لكنني فوجئت بعد ان تبادلت معه الحديث لبعض الوقت بأنه لا يرغب في الحديث للصحافة.. ليس كبرا ولكن احتراما للقارئ.
قال لي «الكلام كمل».. وقد احترمت رغبته وأغلقت جهاز التسجيل الصغير.
ثم تحدث معي ليقول بأن هنالك قاعدة في الإعلام.. وهي ان كثرة تركيز الأضواء على شخص تسبب له ضررا كبيرا.
الطيب صالح خلال لقاءاتي به على مدى موسمي اصيلة في عامي 1992 و1993، كان أنموذجا للتواضع مع الثراء الثقافي الذي ظل لوقت طويل يبهر جمهور مهرجان اصيلة.
من المحزن ان الطيب صالح في موسم 1993 وجد نفسه على المنصة للحديث عن الشاعر الراحل صلاح احمد ابراهيم. وحين بدأ بقراءة بعض الأبيات من ديوانه (غابة الابنوس) اختار مقطعا يردد فيه الشاعر بأنه حزين للبعد عن السودان وعن نهر النيل الذي ظل يلهم أجيالا من الشعراء.. في عبارة حزينة ردد الطيب صالح كلمات الشاعر صلاح الشهيرة عن نهر النيل بقوله:«والنيل بعيد.. النيل بعيد».
من الشعراء الذين حققوا مكانة مرموقة في ساحة الشعر السوداني يأتي الشاعر التجاني سعيد صاحب ديوان «قصائد برمائية»، وقد قال عنه الراحل محمد وردي: التجاني سعيد:-«كتب شعرا في القمة.. وتصوف في القمة».
التقيت بالاستاذ التجاني سعيد مرات عديدة في منزل الشاعر والصحفي محمد نجيب محمد علي، في الثورة الحارة السادسة بمدينة امدرمان السودانية.. ونجيب كان ويظل استاذا للعديد من أبناء جيلي في تجارب العمل الصحفي بالسودان. وفي لقاءاتي بالتجاني استكشفت بساطته وتواضعه وتلقائيته وصدقه مع نفسه والناس.
في احدى المرات أهداني التجاني سعيد ديوانه الشعري بإهداء قال فيه ان كلماته في الديوان هي مجرد «فذلكات فلسفية».
وأهدى التجاني سعيد ايضا نسخة للصديق الصحفي الراحل اسامة احمد موسى، فكان اسامة يشاركني الاعتزاز بأن شاعرا مرموقا مثل «التجاني» يتواضع ليكتب له اهداء باسمه.
في حوار أجراه «نجيب» بصفحة «حوش الزول» في ( الوطن) قبل سنوات حكى التجاني عن توقع والده ان يتم اعتقاله بسبب قصيدته التي غناها وردي، وهي قصيدة «قلت ارحل» التي يقول فيها «كل الارض منفى» وقدمها وردي بعد خروجه من «الاعتقال السياسي» في السبعينيات. قال والد التجاني له: جهز شنطتك للاعتقال.. وردي سيس القصيدة!.
انها خواطر تلقائية أورد بعض منها هنا في سياق التذكير بتألق التواضع في تجارب اهل الابداع.
إن واقع التجارب الابداعية يحمل دوما الغراء بالكتابة المتدفقة.
لقد ظلت تجارب أهل الابداع تمثل بشكل متواصل أهمية كبيرة في الواقع.. لأن ما يقدمه المبدع من ابداع صادق ونابع من القلب يكون مآله ان يؤثر.. وان يؤثر بشكل فعال في اعطاء الحياة لمسات متجددة من الجمال.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي