كتاب وأراء

لمحات من سنوات قديمة «1 - 2»

ربما تكتسب الخواطر التي تأتي إلى الخاطر بشكل تلقائي خصوصيتها، لكونها تعبر بصدق عن لمحة من لمحات واقع الحياة.
حين تأخذني بعض الخواطر للإبحار في الذاكرة، بين الحين والآخر، لاستكشاف تفاصيل سنوات قديمة، فإن لحظات بعينها التقيت فيها مع نجوم للإبداع، تدفعني للكتابة بشكل ما. هنا استذكر ما كتبه الشاعر التجاني سعيد قائلا: من خلف نوافذنا يصرخ فينا شيء ما يدعونا ان نكتب عن شيء ما في زمن ما وبشكل ما.
هنالك العديد من المبدعين الذين يلتقيهم الإنسان لأول مرة وهو يحمل في الخاطر انطباعا خاصا عنهم بسبب شهرتهم الكبيرة، لكنه يجدهم بسطاء ومتواضعين، رغم ان مكانتهم كبيرة في نفوس من يتلقون تجاربهم الابداعية.
وربما يكون ايضا من الأفضل ان اتجه إلى تدوين بعض تلك الخواطر دون ترتيب.
في ذات مساء خرطومي.. كنت شاهدا على تواضع نجم من نجوم ابداع الاغنية السودانية، ألا وهو المبدع الراحل مصطفى سيداحمد.
في ذلك المساء، طلب مني الاستاذ «أحمد نصر»- وهو احد اساتذتنا في صحيفة الجريدة منتصف الثمانينيات بالخرطوم - طلب أن أقدم مصطفى سيداحمد للجمهور في حفل اقيم على «مسرح الهواء الطلق بقاعة الصداقة» بالخرطوم في عام 1991. ووقفت لبعض الوقت مع الفنان الراحل «مصطفى سيداحمد».. وطلبت منه مقطعا من بداية اغنية سيقدمها في الحفل.. لأستهل بها كلمات تقديمه.
وتأخرت قليلا في تقديمه، بسبب عدم اكتمال استعداد فنيي الصوت لإعطاء الاشارة بأن مكبرات الصوت تعمل بالشكل المطلوب.
وقبل أن أبدأ في تقديمه، فوجئت بالفنان وهو يتقدم نحوي وسط عاصفة من تصفيق جمهوره الفني.. ثم حمل «المايك» وتحدث مع الجمهور مباشرة ببعض الكلمات.. قبل ان يبدأ بتقديم اغنيات ذلك الحفل.
وبعدها تحدث معي ببساطة وتواضع قائلا: انا لما حصل تأخير قلت اني لازم أتقدم للجمهور.. لأني ما عاوز الجمهور يقول: مصطفى اتكبر!
كان المبدع الراحل مصطفى سيداحمد حريصا على احترام جمهوره.. سواء فيما يقدمه من اعمال أو عبر كل اللمسات الخاصة في التعامل التي يتواصل بها مع جمهوره الفني.
من بين لحظات لقاء نجوم الإبداع العديدة التي عشتها على مدى سنوات مضت.. اتذكر اللقاء مع المبدع الراحل صلاح احمد ابراهيم في مدينة اصيلة المغربية (مدينة المهرجان) في عام 1992. لم يتيسر إجراء لقاء مباشر معه بسبب إقامته في مدينة طنجة، واقترح ان أسلمه «اسئلة الحوار» ليسلمني الاجابات عليها في وقت لاحق.
حرص الشاعر المبدع على كتابة الاجابات وتركها لي مع عالم الاجتماع والاكاديمي المرموق الدكتور حيدر ابراهيم الذي كان ضيفا على المهرجان.. وكان يقيم معه في نفس الفندق بطنجة.. وكان تواضع الشاعر في الحرص على احترام الوعد لصحفي يلتقي به لاول مرة امرا مؤثرا في نفسي. اتذكر انه حرص ضمن اجاباته على التأكيد بأن «المثقف يجب أن يحمل هموم مجتمعه ووطنه». في نفس تلك الايام التقيت بالروائي الراحل الطيب صالح في موسم أصيلة الثقافي بالمغرب. سألت عنه في الفندق.. وحين تحدثت معه عبر الهاتف الداخلي اخبرته بأنني صحفي يرغب في إجراء حوار معه.
لم تمر سوى دقائق قليلة إلا وأنا ابصر الطيب صالح بكل ما يحيط به من اضواء نجومية الرواية والكتابة الثقافية، يصل إلى استقبال الفندق.. ليرحب بي بحرارة شديدة.
لكنني فوجئت بعد ان تبادلت معه الحديث لبعض الوقت بأنه لا يرغب في الحديث للصحافة.. ليس كبرا ولكن احتراما للقارئ. قال لي: «الكلام كمل»!.
{ (يتبع)
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي