كتاب وأراء

الموهبة وحدها لا تكفي.. الشعر كجزء من لغات الحياة

دائما ما كان يلفت نظري في بلادنا العربية عزوف الشعراء عن حضور فعاليات ثقافية لا تخصهم، أو لا تخص أحد أصدقائهم الخلص والمقربين، وليس المعني هنا فقط الفعاليات الشعرية، بالرغم من أنه من غير الطبيعي ألا يتقصد الشعراء حضور أمسيات شعرية عامة، خصوصا منها تلك التي تقام في أماكن سكناهم، أو تلك التي يشارك فها شعراء من جنسيات أخرى، ليس اللقاء معهم أو بهم متاحا أو سهلا، فحضور قراءاتهم هو فرصة للاستماع والانتباه كيف يقرؤون قصائدهم بلغاتهم الأصلية، وفرصة للتعرف بهم والتحاور معهم بما يخص الشعر والإبداع وتفاصيل الحياة.
وعادة ما يحتج الشعراء المستنكفون عن الحضور إلى هذه الفعاليات بأنهم يحبون قراءة الشعر من الكتب أكثر مما يحبون الاستماع إليه، وهي ذريعة مردودة عليهم بطبيعة الحال، إذ نادرا ما يعتذر أحد الشعراء عن المشاركة في الإلقاء فيما لو تمت دعوته إلى أمسية ما، الموضوع إذا لا يتعلق مطلقا بأنهم يحبون قراءة الشعر لا سماعه، الموضوع يتعلق بالاهتمام بمنتج الآخرين، وبالأنا المتضخمة التي يعاني منها غالبية الشعراء، بحيث نادرا ما يعترفون بغيرهم، أتكلم عن الموضوع وأنا ابنة هذا «الكار»، إن صحت التسمية، وبي ذات العلل والأمراض التي بأبنائه، خبرت تلك العلل جيدا بنفسي وبآخرين كثرعرفتهم منذ زمن طويل جدا.
هذا بالنسبة إلى أمسيات وفاعليات الشعر، وهو ما يجب أن لا يفوته الشعراء مطلقا، فما بالكم بباقي أنواع الفنون والإبداع! حيث من النادر جدا أن تجد شعراء مهتمون بحضور أفلام سينمائية، أو شعراء معنيون بمتابعة الفن التشكيلي والاهتمام بآخر مرحلة وصل إليها العالم في فنون الرسم والتصوير والنحت، وأن تجد شعراء يتابعون الحركة المسرحية في بلادهم، وفنون الأداء كالرقص المعاصر والباليه، وعلى ذكر رقص الباليه، ثمة جزئية كانت تحيرني بغالبية شعراء سوريا، هو كرههم الصريح للموسيقى الكلاسيكية، واعتبارها نوعا من الترف والنخبوية التي لا تليق بالشعر!وهو أمر بالغ الغرابة، ويدل على ازدواجية في شخصية الشاعر الذي عادة ما يعتبر نفسه نخبة، وفي الوقت ذاته يرفض نوعا من الموسيقى بذريعة أنها نخبوية أكثر مما يجب، يضاف إلى ما سبق العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والإبداعية، والتي نادرا ما يشارك الشعراء في حضور فاعلياتهاأو الاهتمام بها، إلى حد تشعر معه أن حياة الشاعر وتجربته مقتصرة على نفسه.
ورغم أن الشعر أحد الفنون الفردانية، مثله مثل الكثير من باقي الفنون، ورغم أن أساسه الأول هو موهبة كبيرة، لكن هل تكفي الموهبة لتنتج شعرا جيدا أو جميلا أو عظيما؟! بالتأكيد أن الموهبة وحدها لا تكفي، ويجب أن ترفد من الخارج، القراءة جزء مهم من روافد الموهبة، قراءة الأدب والفلسفة والفكر والنقد وغير ذلك، لكن لنعترف أننا نعيش حاليا، مع كل ما يحدث حولنا، زمنا شحيحا بالقراءة، زادت في شحه التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال التي باتت تأخذ وقتا كبيرا منا حتى تحولت إلى ما يشابه الإدمان، غير أنه حتى القراءة في وفرتها لا تكفي لرفد موهبة الشاعر، تحتاج هذه الموهبة إلى رفد عبر الاحتكاك بالحياة، بتجاربها وخبراتها، وبمتابعة الفنون الأخرى وإلى أي مكان وصل التجريب فيها، فالشعر ليس فقط لغة تخييلية، الشعر سرد ومشهد وصورة وتخييل ومونولوج وموسيقى، بقدر ما هو لغة بعلاقاتها وتبادلاتها المختلفة، هذه الروافد تحتاج إلى التواصل اليومي مع الحياة، مع فنون الإبداع، مع الفكر، مع المجتمع بأحداثه العاصفة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ليس المطلوب من الشاعر أن يتحول إلى شعبوي، لكن أيضا لا يفيد الشعر أن يبقى الشاعر في عزلة عما يحدث حوله بذريعة فردانية الشعر.
إذا كان الشعر لغة، فالموسيقى لغة أيضا، والجسد لغة في الرقص والأداء الحركي، واللون لغة، وحراك المجتمع لغة، هذه اللغات تتكامل فيما بينها لتنتج فنونا تجعل عالمنا أكثر جمالا وتشاركية، وهو ما نحتاجه حاليا في وسط هذا الخراب والعزلة المفروضة علينا جميعا.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران