كتاب وأراء

تركيا والغرب «1» خصومة التاريخ وجغرافية المصالح

مثلما كانت الحرب العالمية الثانية هي الفيصل بين تراجع قوى دولية وصعود أخرى وانقسام العالم إلى معسكرين شرقي وغربي استمر طوال حقبة الحرب الباردة، فقد سبقتها الحرب العالمية الأولى وكان من أبرز نتائجها تفكيك الإمبراطوريات القديمة وتغيير جذري في الحدود الجغرافية في القارة الأوروبية بوجه خاص ونشوء دول جديدة وتقاسم المنتصرون في الحرب أشلاء تلك الإمبراطوريات.
وكانت أهمها الدولة العثمانية وما نتج عن سقوطها من تفتيت لأراضيها ثم تنازل الدولة التركية الوليدة عن الأراضي غير التركية إثر حرب الاستقلال والتي نتج عنها تشكل تركيا الحالية عقب اتفاقية لوزان في سويسرا عام 1923 وأعقبتها تعديلات عرفت باتفاقية «مونترو» السويسرية عام 1936 وسيحتفل الأتراك بمرور 100 عام على الاستقلال في 2023 وهو العام الذي يكرر دومًا الرئيس أردوغان أنه عام التحول التنموي والسياسي لتركيا وليس لهذا دخل بالشائعات المتداولة وغير الصحيحة عن انتهاء المعاهدة في هذا التاريخ.
تمثل تركيا بحدودها الجغرافية وتركيبتها العرقية والدينية الحد الفاصل وحلقة الوصل في آن بين الشرق العربي والآسيوي والغرب الأوروبي، وهذا ما يجعل مصالحها موزعة ومتشابكة هنا وهناك ولا يمكن بأي حال إغفال دورها وتأثيرها في أي تحركات أو اتفاقيات في تلك المنطقة من العالم وهو ما يجعل العلاقات التركية-الأوروبية تصنف في أفضل حالاتها بالحذرة غالبًا المتوترة أحيانًا وفي كل الأحوال يغيب عامل الثقة نظرًا لانحياز أوروبا على الدوام إلى الجانب اليوناني وقبرص -اليونانية- وعاصمتها نيقوسيا ضد تركيا وقبرص -التركية- والتي يتواجد على أرضها 40 ألف جندي تركي منذ تحريرها عسكريًا عام 1974 وإعلان قيام جمهورية شمالي قبرص التركية وعاصمتها ليفكوشه والمعترف بها من قبل تركيا فقط، وتنظر أوروبا لتركيا كجار الخصومة معه لها جذور تاريخية تخللتها الكثير من الحروب والنزاعات المتعددة الأسباب والتي تتعثر محاولات انضمامها للاتحاد الأوروبي باستمرار وحاليًا في حكم المجمدة لكنها في نفس الوقت حليف لا يمكن الاستغناء عنه في إطار حلف الناتو والذي تمثل تركيا القوة العسكرية الثانية فيه بعد الولايات المتحدة وزادت قوة تلك الورقة في الفترة الحالية مع حلول الذكرى الـ 70 لتأسيس الحلف مع تغير المعطيات بتنامي قوة الصين إقتصاديًا وعسكريًا وعودة روسيا بقوة للساحة الدولية وفي شرق المتوسط في سوريا بصفة خاصة ومؤشرات عن دور روسي في الصراع الليبي وترتبط الدولتان بعلاقات جيدة ومصالح متشابكة مع تركيا عكس غالبية دول الحلف وأيضًا ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حلفائه الأوروبيين طلبًا للمزيد من الأموال من دول الحلف وتهديده في أغسطس الماضي بسحب جزء من القوات الأميركية من ألمانيا.
أيضًا الخلافات المتصاعدة بين دول الحلف والتي أبرزتها وعمقتها تضارب المصالح وتشابك المنافع وغياب عدو مشترك ومحدد منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة وانهيار سور برلين.
جاء الاتفاق التركي-الليبي بشأن ترسيم الحدود البحرية ويتضمن مذكرتي تفاهم حول التعاون السياسي والأمني في 27 نوفمبر الماضي كقنبلة أظهرت على السطح كم التداخلات والتناقضات والخلافات واختلطت فيه المصالح الجيوسياسية بالجيواقتصادية خصوصًا في وحول منطقة شرق المتوسط والذي أعقبه بأيام قليلة تصريح للرئيس التركي أردوغان خلال افتتاح خط غاز تاناب قال فيه ليس من الممكن تنفيذ أي مشروعات في المنطقة تستثني بلدًا له حدود بحرية طويلة في شرق المتوسط، ولن نسحب سفننا وسنواصل العمل هناك، في إشارة إلى عمليات التنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص والتي ترفضها اليونان وقبرص اليونانية والاتحاد الأوروبي بحجة عدم مشروعيتها وهي ما تنفيه تركيا وتتمسك بوجهة نظرها وتؤكد عدم مخالفة تلك العمليات للقانون الدولي وهو ما يدعمه إرسال تركيا في 19 مارس الماضي رسالة للأمم المتحدة توضح فيها حدود جرفها القاري وقيامها بإطلاق سفينتي التنقيب عن النفط والغاز «فاتح» و«ياووز» في إشارة واضحة على مضي تركيا قدمًا في التأكيد على حقوقها في تلك المنطقة وهي صاحبة الشواطئ الأطول في شرق المتوسط.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري