كتاب وأراء

هل ظل إعلامنا أسير «النمطية والتقليد» الإعلام العربي والتحديات الراهنة

الإعلام العربي كما الإعلام العالمي، توَسَعَ بدرجة غير مسبوقة، وتحديداً مع انتشار الفضائيات الناطقة بالعربية وانتشار المطبوعات والصحف اليومية انتشار النار بالهشيم، إلى درجة أن مراقبة خريطته الآن أصبحت مسألة على قدر كبير من الصعوبة، وإن كان من الممكن تلمس بعض خطوطها العريضة واتجاهاتها العامة. وقد أدت طفرة الانتشار للفضائيات العربية والصحف والمطبوعات لتعاظم الحاجة لإعلاميين مهنيين يحترفون مهنة الصحافة المسموعة والمرئية، التي راحت تَستَقطب دون معايير مهنية أغلب الأحيان، وهو أمر إساءة لمهنية الإعلام ولرسالته المنشودة.
ولكن ومع هذا التوسع، فقد بقي الإعلام العربي أسير النمطية والتقليد، ومتفاوتاً في أدائه بين بلد عربي وآخر. فالنمطية والتقليد، واستجرار البرامج المُستوردة وتعريبها، والتلقين والنقل والاقتباس والمحاكاة للدراسات الغربية، وتهميش وغياب للرؤية النقدية، وتهميش للأفراد الجادين، كلها عوامل وضعت الإعلام العربي في معظم البلدان العربية وعموم المنطقة، ووسائله المُختلفة من محطات إذاعية وفضائيات ومحطات أرضية، وصحف ومطبوعات يومية ودورية، أمام سدود من الانقطاع والابتعاد الفاعل عن الحراك والتأثير وسط الشارع بالشكل المطلوب، ما عدا بعض الفضائيات، حيث كان يُفترض به أن يُسهِم بشكلٍ كبير ومؤثر في تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني بشكل عام، وتدعيم القيم والمشاركة السياسية وتوعية الناس بما يدور حولهم من أحداث ومواقف سواء على المستوى الداخلي والخارجي، أو على المستوى المتعلق بالأهداف البعيدة التي تحملها رسالة الإعلام، وفي إحداث تغيير جدري في حياة المجتمع، خاصة عندما يكون هذا الإعلام مُنظم ويسير وفق لسياسية إعلامية تخدم المجتمع وقضايا الأمة المصيرية، وعناوين التنمية والنهوض، كما تخدم المشروع الوطني والقومي العربي وهو يواجه لحظات مفصلية من الصراع مع الغزو الاستيطاني الصهيوني لأرض فلسطين.
لقد تَمَكّنَ الإعلام الصهيوني ولفترة طويلة من الزمن من لعب دور أساسي في عملية تحشيد الرأي العام، وخصوصاً في الغرب، خلف المخططات الصهيونية، عن طريق تزييف الحقائق. فالطرف المعادي ومنذ عقود طويلة، نَجَحَ بشكلٍ كبير ومؤثر في تجنيد قطاعات كبيرة ومؤثرة من وسائل الإعلام العالمية، ودفعها لخلق رأي عام دولي مساند له بحدود ما، في حملة صهيونية شرسة لطمس تاريخنا وتراثنا، إضافة إلى الترويج لروايته الميثولوجية، وربطها بأيديولوجية مُصطنعة هي الأيديولوجيا الصهيونية، وصولاً لتبرير عملية الإقتلاع الوطني للشعب العربي الفلسطيني من فوق أرضه التاريخيه، واستمرار عدوانه، وتدميره وتخريبه وقتله للإنسان والحجر والشجر. فالإعلام الغربي قدم خدمات كبيرة للغاية للمشروع الصهيوني وهدفه في إقامة دولة «إسرائيل» على أرض فلسطين، ومنذ ذلك الوقت والإعلام يُشَكّل حجر الزاوية في الإستراتيجية الصهيونية التي أخذت بُعداً آخر بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، حينما اندمج الإعلام بشكل كامل ومطلق بالسياسة الخارجية «الإسرائيلية» التي كان هدفها الرئيسي توسيع الكيان الصهيوني على حساب العرب، وتكريسه حقيقة واقعة في ظل الإمكانات الضخمة لرعايتها من قبل الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية.‏
وقد نجح الكيان الصهيوني في مسعاه هذا كثيراً عندما تَمَكّنَ من خلق هذا الإنطباع لدى الغرب مُستغلاً الإمكانيات الهائلة التي بين يديه، ومُتمكناً خلالها من تحقيق أهداف السيطرة والهيمنة وفرضها على العقل الأوروبي، وتأتي في مقدمة تلك الإمكانيات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المُمتلكة من قبل إمبراطوريات إعلامية مُترامية الأطراف وذات انتشار واسع.
بقلم: علي بدوان

علي بدوان