كتاب وأراء

الرباعيات الكروية تعكس تفوق الكرة القطرية على نظيرتها الإماراتية خليجياً وآسيوياً

.. وتتواصل «رباعيات قطر» في مرمى الإمارات .. و«بن روغة» يصدح: «اسعفوني»

.. وتتواصل «رباعيات قطر» في مرمى الإمارات  .. و«بن روغة» يصدح: «اسعفوني»

يبدو أن الإمارات، موعودة بالرباعيات، عندما تلتقي مع قطر في المباريات، ولا أقصد «رباعيات الخيام»، التي يقول صاحبها في الكلمات:
«سمعت صوتاً هاتفاً في السحر.. نادى من الغيب غناه البشر»
.. وهي التي أبدعها الشاعر «النيسابوري» غياث الدين أبوالفتوح، المولود في «نيسابور»، وأنشدتها «أم كلثوم»، بعد ما ترجم كلماتها الشاعر «أحمد رامي» إلى العربية.
.. وإنما أعني «الرباعيات الكروية»، التي تعكس تفوق الكرة القطرية، على نظيرتها الإماراتية خليجياً وآسيوياً، بالأهداف الرباعية!
.. وبطبيعة الحال، فإن «رباعيات قطر»، في مرمى الإمارات، تعكــــس في تفاصيلها «حواراً كروياً» بين نقيضين هما البطل والخصم، أو بين فريقين هما الفائز والخاسر، أو بين منتخبين أحدهما المنطلق نحو الصدارة، والآخر المتقهقر باتجاه الخسارة، بل هو الحوار الذي لا ينتهي، بين المنطق واللامنطق!
.. وبين هذا وذاك، مثلما استعرض الملحن «رياض السنباطي»، إمكانياته الموسيقية، خلال تعامله الإبداعي، مع قصيدة «رباعيات الخيام» الصعبة، المفعمة بالمعاني المتداخلة، وقام بتلحينها بجدارة، لتشدو بها «كوكب الشرق»..
فقد استعرض «سيد الشرق والغرب الآسيوي»، وأقصد منتخبنا الوطني لكرة القدم، بصفته حامل لقب بطولة آسيا، إمكانياته الكروية أمام منتخب الإمارات، الذي تلقى هزيمتين ساحقتين،«مربعتين» مروعتين، بأقدام القطريين، خلال العام الجاري، أولاهما في بداية عام 2019، وتحديداً في شهر يناير، ضمن منافسات كأس آسيا، والأخرى ــ وربما لن تكون الأخيرة ــ هزيمته في «خليجي 24».
.. وهذا يجعلني أضطر ــ اضطــــراراً ــ لرفــــع أصـــابعـــي الأربعــــة عــــاليـــاً، احتــفالاً بالانتصار القطري الرباعي، دون أن أقصد بهذه الإشارة أية مضامين أخرى!
.. ودون أن أزايد بإشارتي «الرباعية»، على إشارة «الأصابع الثلاثية» الشهيرة في «دار زايد»، التي أصبحت تشكل علامة جوهرية، للعديد من التظاهرات الاحتفالية في الإمارات.
.. وقبل انطلاق مباراة «الأدعم»مع منافسه الإماراتي، لم أشك لحظة واحدة، في قدرة منتخبنا الوطني لكرة القدم، على تجاوز منتخب الإمارات، والتأهل إلى المربع الذهبي في«خليجي 24».
.. ولعل السبب في هذه الثقة، أن المنتخب القطري، يضم كوكبة من النجوم، ليس في قطر فحسب، بل على مستوى القارة الآسيوية، أذكر منهم هداف آسيا «المعز علي»، وأحسن لاعب في القارة الصفراء لعام 2018 «عبدالكريم حسن» وأحسن لاعب في القارة الآسيوية، للعام الحالي «أكرم عفيف» وغيرهم كثيرون.
.. وهذه البوتقة المرصعة بالنجوم، يوجد بداخلها من يعرفون عنوان التمريرات الحاسمة، ويملكون عنفوان التسديدات اللازمة، ويتقنون صناعة الأهداف الفخمة.
.. وبمنتهى الفخامة، يشكل فوز قطر على الإمارات، بأربعة أهداف مقابل هدفين، حكاية الأقدام القطرية، التي حرثت استاد خليفة المونديالي طولاً وعرضاً، لكي تقهر من يتحداها، وتبهر من يتابعها.
.. وما من شك في أن هذه المواجهة الكروية، لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت بكل أحداثها المثيرة، وأهدافها الغزيرة، ملحمة قطرية، في العطاء والولاء والوفاء والانتماء والفداء، والعشق الوطني إلى قطر، والتضحية بكل جهد لدعم منتخبنا الوطني «الأدعم»، المدعوم بمحبة جماهيره.
.. ومنذ بداية المباراة، بدأ منتخبنا منطلقاً للوصول إلى هدفه، مثل مسافر يريد الانتقال السريع، من أبوظبي إلى دبي عبر «جسر المقطع»، الذي يمتد عمره إلى ما قبل تأسيس دولة الإمارات، ويعتبر جزءا من جغرافية المكان، واستراتيجية السكان، منذ ذلك الزمان، وتحديداً ربما عام 1968، حيث لعب الجسر العتيق دوراً حيوياً، في تسهيل الانتقال من جزيرة أبوظبي، التي أصبحت عاصمة الدولة الاتحادية، إلى خارجها وبالعكس.
.. ولكي ينجح منتخبنا في مهمته، في التنقل بين حدود، وخطوط منتخب الإمارات، ويتجاوز العقبات، فقد امتطى سيارة «لاندكروز» الكلاسيكية، التي ارتبط اسمها بروح المغامرة، وحب الاكتشاف، وذاع صيتها في المنطقة، بعدما اشتهرت بأنها قاهرة الكثبان الرملية الصعبة، والطرق الوعرة، التي كانت سائدة في الإمارات قبل اتحادها، حيث لم يكن فيها يومها، سوى عدد قليل من الطرق المعبدة!
.. ولأن المباراة تزامنت، مع ذكرى اليوم الوطني لدولة الإمارات، الذي يصادف الثاني من ديسمبر، فقد توقف منتخبنا الوطنــي في طريـــقه نحـــو المرمـــى الإمـــــاراتي، عـــنــــد «سيح شعيب»، وهـــــــي المنطــــقة الحدوديـــة، التي شــــهدت اجتمـــاعات الشيــــخين «زايد وراشد»، واتفاقهما مع بقية شيوخ الإمارات على تأسيس الدولة الاتحادية عام 1971.
.. وفي تلك اللحظات، كاد منتخبنا «الأدعم» يحرز هدف التقدم، في الدقيقة السادسة، من كــــــرة أخطــــأها المـــدافــــع والحـــارس الإمــــاراتي «محمد الشامســي»، لتجــــد عبدالكريم حسن بانتظارها، الذي انطلق نحوها برشاقة «النمر العربي»، محاولاً اللحاق بها، وقام بتسديدها داخل المرمى، لكنها اصطدمت بالقائم الأيمن، الذي أنقذ الإمارات من هدف قطري محقق.
.. ورغم أن منتخبــــنا الوطنــــي، كان يكفيه التعـــادل للتأهل، لكنه أراد اثبات جدارته بالفوز المستحق، لتأكيد أنه الفريق الأحق، بالصعود إلى المربع الذهبي، ولهذا لعب بطريقة هجومية منظمة، هاجم خلالها مرمى الإمارات بتكتيك كروي مدروس، مراعياً تحقيق التوازن بين الواجب الهجومي، والدور الدفاعي.
.. وبعد سلسلة من الهجمات القطرية المتواصلة، لم يشأ «أكرم عفيف»، المتوج في يوم المباراة، بجائزة أحسن لاعب في آسيا، المقدمة من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، في احتفاله السنوي، أن تمضي هذه المناسبة السعيدة، دون أن يترك بصمته الإبداعية عليها، بعدما غاب عنها، لاستكمال أداء واجباته الوطنية.
.. ولهذا اقتنص كرة ضالة فـــــي الدقيقــــة العشـــرين أخطـــأها المــــدافع الإمــــاراتي «محمد مرزوق»، لتجد نجم نجوم آسيا يسددها قوية زاحفة، بين قدمي حارس الإمارات، لتعبــــر المرمــــى، مثــــل ســــيارة قطريـــــة باللــــون «الأدعـــم»، تمضــي في طريــــقها في «نفق الشندغة»، لتعيد ذكرى افـــــتتاح هــــذا المعــــبر الحـــيوي، الممــــتد تــــــحت مياه الخليج العـــربي بـــطول 560 متـــــراً، والــــذي تـــم افتتـــاحه عـــام 1975، في عهد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي الأسبق، خلال زيارة رسمية قام بها صاحب السمو «الأمير الأب» الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، طيب الله ثراه.
.. وبعد الهدف القطري الأول، بثماني دقائق تقريباً، أضاف الكريم «أكرم عفيف» ثنائيته من «ضربة جزاء»، سددها قوية، على يسار الحارس الإماراتي، لتصبح النتيجة، تقدم منتخبنا الوطني، بهدفين على منتخب الإمارات، الأمر الذي أطلق العنان لأحدهم في المدرجات لتشغــــــيل أغنـــية أشـــــهر المطـــــربين الإماراتيــــين وأكثرهم شعبية الراحل «علي بن روغة» وكان خلالها يصدح بصوته الشجي، عازفاً على العود، بطريقته الخاصة التي لا يجاريه أحد فيها، مناشداً «الإسعاف» بالتدخل، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر كلمات «فتاة الساحل»، التي تقول فيها:
«أسعفوني قبل لا ولي... وقبل أجلي تحين ساعاته»
«حل بي بأقصى الحشاحلي... والقلب ما ذاق راحاته»
«ونتي ونات معتلي... ونة اللي ضاعت أوقاته»
«حاير ما جنه في زلي... ضاع وابتعدت مسافاته»
«والدخاتر ما بتفطن لي... والمحو ما فاد دوياته»
«شوف دمع العين ينهلي... فوق خدي دوم عبراته»
.. وكأن «علي مبخوت»، هداف الإمارات التاريخي في بطولات الخليج، ســــمع استغاثة «علي بن روغة»، وحاول «إسعاف» فريقه، عبر إحرازه هدف تقليص الفارق، من ضربة جزاء، احتسبها الحاكم في الدقيقة الثالثة والثلاثين.
.. وقبل نهاية الشوط الأول، أطلق «عبدالكريم حسن» كرة قوية نحو مرمى الإمارات، من ضربة حرة مباشرة، صدها الحارس، بعدما انطلقت الكـــرة نحوه بســـرعة قــــطار «مترو دبي»، المتحرك على «الخط الأحمر» من محطة «الرقة»، باتجاه محطة «الراشدية»!
.. ومع بداية الشوط الثاني، حرمت العارضة منتخبنا «الأدعم» من تسجيل الهدف الثالث، بعد كرة قوية، سددها المتألق المتعملق «أكرم عفيف»، اهتزت لقوتها العارضة الإماراتية، مثل اهتزاز مشاعر المستمعين، وتفاعلاتهم، وتأثرهم عند سماع إحدى إبداعات الفنان الراحل «جابر جاسم»، الذي كان حاضراً المباراة، بأغنياته الرائعة، رغم رحيله عن عالمنا.
.. ولأنه تعلم القراءة والكتابة في قطر، التي عاش فيها، مرحلة من الدهر، مثل عشرات الإماراتيين غيره، الذين تبوأوا مناصب قيادية رفيعة، في دولة الإمارات بعد تأسيسها، لم يكن غريباً أن تسمع صوته الشجي، يصدح في أرجاء الملعب، بأغنيته الشهيرة، مخاطباً «أكرم عفيف»، صاحب الهدفين قائلاً:
«سيدي يا سيد ساداتي»
«سيد الخوذ المزاييني»
«راعني وأرفق بحالاتي»
«ودامني في حبك أرهيني»
.. وما من شك في أن تجربة «جابر جاسم» الغنائية الغنية الثرية، شكلت علامة فارقة، وبصمة خالدة في مسيرة هذا الفنان الإماراتي الراحل، الذي نشأ في قطر، وتنفس هواء قطر، وكان يملك حنجرة دافئة، من نتاج بيئته الجغرافية، في النطق والمخارج، وطبيعة النغمة والنهمة.
.. ولأن هذا الفنان الذي عاش في قطر، فترة زاهرة من فترات حياته، كان له لونه الفني الخاص والخالص، والمخلص، المرتكز على الخصوصية، ليس غريباً أيضاً، أن ينشد في إحدى روائعه قائلاً:
«واحسرتي ضاق الفضا بي»
«يوم أبعدوني عن حبيبي»
.. وليس غريباً أيضاً وأيضاً، أن ينشد قائلاً:
«يا شوق هزنية هوى الشوق»
«هزيز غض تاح الأوراق».
.. وليس غريباً أيضاً وأيضاً وأيضاً، أن ينشد ذلك المطرب، الذي أبدع وأطرب وأشجى، واستحوذ على حواس الجمهور، رائعته التي يقول فيها:
«شدو العربان بالكلي... واتركوا ذالروح ولهانة»
«مادروا وش بالحشاحلي... من الفراق وحر نيرانه»
«مستليع وحالي اعتلي... والحشاشبت به أحزانه»
«دمع عيني سال وانهل... يوم قفت عني أظعانه»
لقد كان «جابر جاسم»، حاضراً بأغنياته في مباراة قطر والإمارات، حتى تكاد تسمع صوته، بين هدير المشجعين القطريين، ينشد قائلاً:
«وناس، يا صوت المحبين وناس».
ووسط هذه الأجواء، التي أحيا فيها «جابر جاسم» ذكرياته مع قطر، ومحطاته في قطر، وسنـــــوات عمــره التي أمضاهــــا في قطر، استمرت المباراة سجالاً بين المنتخــــبين القطري والإماراتي في «خليجي 24».
.. وبعد ذلك الكر والفر، توغل نجوم «الأدعم» داخل المرمى الإماراتي، مروراً بفريج «البستكية»، الذي يقع إلى الشرق من «بر دبي»، ويحتوي على حزمة مبان تقليدية، تمتاز بطرازها المعماري، التي ترتفع فوق مبانيها أبراج الهواء العليل، التي تسمى في الإمارات «البراجيل»، وتقوم بالتهوية الطبيعية والتبريد التلقائي، داخل المنازل.
.. ومثلما يتم تقشير حبة الفستق، فقد قشر «المعز علي» كرة رائعة، بعد هجمة قطرية منظمة، وأهداها إلى زميله «حسن الهيدوس»، الذي سددها قوية في مرمى الإمارات، محرزاً الهدف القطري الثالث، في الدقيقة الثالثة والخمسين.
.. والملاحظ، أن هذه التسديدة القطرية، مرت أيضاً بين قدمي حارس الإمارات، مثل مرور سيارة، منطلقة بأقصى سرعة، عبر نفق وشارع الشيخ زايد في أبوظبي، الذي يعتبر واحداً من مفاخر شبكة الطرق في العاصمة!
.. ولعل ما يميز الهدف القطري الثالث، إثباته أن الطريق إلى مرمى الإمارات، يدار بنظام «سالك»، الذي يسهل الحركة المرورية، ويحد من الازدحام في الشوارع الرئيسية، دون الحاجة للوقوف عند أي إشارة مرور، مما يحقق الانسيابية في حركة السير!
.. ومع سهولة التنقل القطري، بين عوالم ومعالم منتخب الإمارات، كان لابد من التوقف عند «سوق نايف»، الذي كان يشتهر قديماً باسم «سوق الصنادق» قبل احتراقه وإعادة تأهيله، وكان الهدف من تلك الزيارة شراء كميات من «البخور»، لتوزيعه على الجمهور!
.. ومع تصاعد دخان الانتصار القطري في المباراة، كان لهداف الإمارات «علي مبخوت» رأي آخر، عندما نجح في إحراز هدفه الثاني، في الدقيقة السابعة والسبعين، من تسديدة بعيدة اصطدمت في الحارس القطري سعد الشيب، ودخلت مرماه، وهو بالمناسبة نجل العداء القطري السابق عبدالله الشيب، الذي شارك مع زميله طلال منصور، في تحقيق العديد من الإنجازات في «ألعاب القوى»، خلال منتصب الثمانينيات من القرن الماضي.
.. وفي الرمق الأخير من المباراة، وتحديداً في الدقيقة الرابعة من وقتها المحتسب بدل الضائع، استغل «بوعلام» الكرة، التي تهيأت له من ركلة ركنية، وارتقى لها عالياً، وكأنه يريد الارتفاع في السماء، مثل «برج خليفة»، الأكثر شهرة في أفق دبي، حيث ينتصب بارتفاع 828 متراً.
.. وخلال تلك القفزة البطولية، نجح «بوعلام» في تحويل الكرة برأسه، في مرمى الإمارات، محرزاً الهدف الرابع، لتنتهي المباراة الأروع، بفوز «الأدعم» برباعية جديدة، من «الرباعيات القطرية»، التي لا يمكن نسيانها في ذاكرة القطريين، ولا يمكن محوها من ذاكرة الإماراتيين، ولا يمكــــن اقتلاعـــها من ذاكـــــرة الخليجيين، ولا يمـــكن تجـــاوز مضامينها ونتائجها وآثارها وثمارها من ذاكرة المراقبين!

أحمد علي

أحمد علي