كتاب وأراء

قيس سعيد .. حتى لا يُسقَط الحلم الجديد

هناك مبرر مفهوم تماماً يعزز الأمل في مسيرة تونس الجديدة، من خلال تناقل أخبار ومواقف وصفات الرئيس الجديد لتونس، والذي انتخب بغالبية شعبية كبيرة، وروح الورع التي تتجلّى فيه، كنموذج مختلف عن السائد في الدول العربية، وإن كانت للمنصف المرزوقي أيضاً صفات شبيهة، من حيث البعد عن مواطن الشبهات الاقتصادية، والخروج من الرئاسة بأيدِ نظيفة، والانفتاح على طبقات الشعب الكادحة.
ولعل قرار المنصف اعتزال العمل السياسي، والتفرغ للفضاء الفكري في الاتجاه الصحيح، وهذا لا يُلغي دوره المهم في الشراكة المؤثرة لإنقاذ تونس من مشروع الثورة المضادة، والتي نجح فيها محور أبو ظبي، في صنع اصطفاف خطير في تونس، استخدم فكرة الصراع العلماني الإسلامي، التي أسقطت الثورة المصرية، وحوّلت مصر إلى حطام من الخرائب الحقوقية وما قبل التنمية الأساسية.
وهنا نفهم بحياد مهني لقراءة التحليل السياسي، الدور الذي شكّل قاعدة مهمة، لتبقى تونس صامدة، تواصل مرحلة صعبة من الانتقال الديمقراطي وضمان الأساسيات الدستورية لحرية الشعب، التي وصل عبرها قيس سعيد، وهو تقدير مستحق لشركاء التجربة الأولى بعد الثورة بما فيهم حركة النهضة، ولكن دور المرزوقي كان مفصلياً، في حمل أمانة ذلك التوازن حتى عبرت تونس مفرق الأعاصير.
وهنا التحدي الأول لقيس سعيد، فالصورة الورعة وحدها، لا تمثل برنامجا يكفي لقيادة تونس، نحو ما يفترض مرحلة تكريس أكبر للمرجعية الدستورية، ليس عبر المصطلحات التي تنتشر باسم الديمقراطية وفصل السلطات، في العديد من الأوطان العربية، ويهوي بها الاستبداد فيحولها لآلة تبرير لقمعه، إنما في تحقيق منظومة عمل ورقابة تُفعّل لصالح الشعب، بكل أطيافه، فتمنع تغوّل السلطات عليها.
في ذات الوقت فإن هناك مساحة زمنية ضرورية، تحتاج تونس أن تعبر بها عبر توافق نسبي ولو بحدٍ أدنى، فلا يُمكن أن تنتقل خلال فترة قصيرة إلى الاكتفاء الذاتي، وإنما بدأ مرحلة انفراج اقتصادي، تصب في صالح الإنسان التونسي، الذي يجمع له المشهد حرية قراره السياسي، وأثره الإيجابي على استقرار حياته ومعيشته.
فالضيق الاقتصادي، يفتح الباب سريعاً لعودة التأثير لقوى الإعلام للثورة المضادة، والضغط على استقرار تونس، وخلق تابوهات من الجدل، لا علاقة لها بالمسببات التنفيذية لتحقيق التقدم للشعب التونسي، بقدر ما هي حالة تفويج، تهدف لخلق فراغ تفقد عبره تونس مساحة الانتقال الذي حققته.
ولذلك فإن البرنامج العملي، والتعاون الحيوي والأساسي، بين الحكومة التي يقودها مرشح النهضة، وبين الرئيس سيلعب درواً اساسياً في ذلك، ولكنه لا يكفي، فهناك ضرورة لسحب تونس من الصراع الإقليمي في الشرق، وإن بقيت مبادئها الأساسية المتفقة مع الثورة، غير أن الصراع القائم في المشرق العربي، والتداخل التركي والإيراني معه، يحمل إرثاً ضخماً من الملفات والصراعات، تونس لا تحتاج أن تتورط فيها.
وهنا مسؤولية حسّاسة جداً لحركة النهضة، وقيادتها المتمثلة بالشيخ راشد الغنوشي، خاصةً بعد الجدل عن قرار الشيخ راشد ترؤس السلطة التشريعية، وقد انتخب بحق ديمقراطي وطني واضح، لكن هذا الموقع قد يحمله مساحة أكبر، تضعف قدرات النهضة على مواصلة مفهوم الشراكة.
والذي يحتاج منها أن تتقدم أكثر في داخل وعيها الإسلامي والوطني، عبر مفاهيم النهضة وصناعة الدولة المدنية التي بقيَ الإسلاميون العرب فيها خصوماً أو على الحياد، أو شركاء تنفيذيون، لكن دون قناعة فكرية عميقة، تحملهم على المشاركة المؤصلة لوطنهم، ثم خلق الفارق الأخلاقي والقيم الروحية لمفاهيم العمران الإسلامي المتفقة مع قيم الشعب، فيرصدها في حياته المعيشية والثقافية، والتي تتميّز عن عقيدة التشييء الغربية.
هذه المساحة بين الرئيس والحكومة، هي المفصل الرئيسي للتقدم نحو تونس أكثر أماناً وأقوى استقلالاً، تطبق قيم المبادئ، لكنها لا تُفرط في التوازنات الأساسية، ومد الجسور للمصالح الضرورية للشعب، وتحييد أكبر قدر ممكن من الخصوم، وكسب المواطن المختلف باسم قوة تونس وحلم نهضتها بين العرب.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل