كتاب وأراء

فارس من زمن جميل

قلت سابقاً إن سورية عاشت بين عامي 1954 و1958 سنوات من الديمقراطية قد تحسدها عليها الآن دول كثيرة، ويكفي أن نلقي نظرة على البرلمان الذي كان يجمع أقصى اليمين وأقصى اليسار وما بينهما.
ونعود إلى ما قبل ذلك في ذكرى ميلاد سياسي لم تعرف المنطقة له مثيلاً من قبل ولا من بعد هو السياسي والمناضل والشاعر فارس الخوري الذي ولد في 20 /‏11 /‏1873 في قرية مما صار فيما بعد لبنان، وليس قليلاً أن يتسلم وهو المسيحي رئاسة الوزارة في سورية ثلاث مرات متتاليات، حتى قالت صحيفة الديلي ميل البريطانية: كان رئيس الوزارة الجديدة يقوم بأعباء المجلس النيابي سابقًا، وإن مجيئه إلى رئاسة الوزارة، وهو مسيحي بروتستانتي، يشكل سابقةً في تاريخ سورية الحديث، بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغته سورية من النضج القومي، كما يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة وجدارة.
لم يكن المقياس مطلقاً طائفياً أو مذهبياً، بل كان المركز للأقدر على تقديم الأفضل للدولة ومواطنيها، لذلك عندما تولى فارس الخوري وزارة الأوقاف الإسلامية ثارت ضجة عظيمة، فخرج نائب الكتلة الإسلامية في المجلس عبد الحميد طباع قائلاً للمعترضين: «إننا نؤمِّن فارس الخوري على أوقافنا أكثر مما نؤمن أنفسنا». واليوم يتشدق الجميع بحماية الأقليات وهذا ما قاله الجنرال «غورو» قائد الحملة الفرنسية على سورية عام 1920 فما كان من فارس الخوري إلا أن ذهب إلى المسجد الأموي في يوم الجمعة، وبعد انتهاء الصلاة صعد المنبر وقال: «إذا كانت فرنسا تدّعي أنها جاءت إلى بلادنا لحماية المسيحيين، فمن على هذا المنبر أقول: أشهد أن لا إله إلا الله»
وللتدليل على بلاغته وقوة حجته نذكر خطبة نائب تكساس في مجلس النواب الأميركي في 8 مارس 1948موجِّهًا خطابَه للمجلس:
إذا أراد أحدٌ منا أن يعرف وجهة نظر العرب في قضية فلسطين الهامة، فاسمحوا لي أن أوصي بقراءة الخطاب الفخم، المملوء بالحقائق، الذي ألقاه السياسي السوري فارس الخوري أمام مجلس الأمن في 24 فبراير1948. إن 95 % من أعضاء الكونغرس ومن الشعب الأميركي مستعدون للاعتراف بأننا ارتكبنا خطأً فادحًا. إن موقفنا في الجمعية العمومية وهيئة الأمم المتحدة في قضية فلسطين لا يمكن الدفاع عنه. واسمحوا لي أن أوصي كلَّ مواطن أميركي بقراءته.
من مواقفه المشهورة موقف طريف، حين جلس في مقعد مندوب فرنسا 25 دقيقة، وكاد هذا المندوب يضربه، فقال له: لم تحتمل أن أجلس في مقعدك 25 دقيقة، ونحن احتملناكم 25 سنة.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين