كتاب وأراء

هذا ما جَناهُ قَلبِي

خولة مرتضوي
أحيانًا نجنِي على أنفُسِنا تمامًا كما يجنِي علينا أيُّ غريب، وجِنايَةُ القلب من أكبر جِنايات الذات، فكيف لرفيقٍ دائِمٍ أن يخونَ ويجنِي ويُسَبِّب الآلام، والرفيق المقصود هُنا هو القلب. هذا ما كُنتُ أُفكِّرُ فيه بعد جلسة مطولَة مع إحدى المقربات التي كانت تشتكِي من ظُروف حياتِها الزوجية القاسية والنتائِج التي خرجَت بها بعد قرارات عاطفيَّةٍ خاطئة أودَت بسلامِها العقلي والوظيفي والجسدي إلى الضَرر والضعفِ والتلَف. تقولُ وهي تُطأطِئُ رأسها، كي لا تلحَظ عيني التي تحتضِنُ ألمها وتلومُ موقفها في نفس الوقت: «ليتَنِي كُنت حكيمةً أكثر، البداياتُ الجميلة تجعلُنا نتعجَّلُ كثيرًا، كان قرارُ الارتباط عجُولًا وخاطئًا، ولو عادَ بي الزمن مرةً أُخرى لسَمعتُ عقلي وما اتبعتُ قلبِي الذي جنى علَيَّ هكذا». وتُواصِلُ باكيةً: «لم أعُد أحسَبُ أنَّ في دُنيانا أيُّ خير، فقدتُ الثقة بنفسي وبقراراتي، واليوم لا حيلة لي إلا الندم والأسى»، أُكفكفُ دموعها قدر الإمكان، وأستمِع لألمها الصامِت وأتأملُ نظرتها الشاردَة في الأفُق الحُرّ، هذا وفقط، فكُلُّ ما قُلتُهُ لها وأقولُهُ على الدوام مواساةً واستنهاضًا لها، يضمحِلُ أمامَ ما تشعُرُ بِهِ من انكسار، فقرَّرتُ أن أسمع منها ولها، مؤمنةً أخيرًا أن دواء القلب المُنكسِر هو الصبر.
جناية القلبِ كبيرةٌ حقًا، خاصة لو زادت العثرات وتهمَّش دور العقل والتبصُّر، فكثير من القرارات النسائيَّة، خاصة فيما يتعلَّقُ بالموافقة على تصفية شريك الحياة من العالمين، تكونُ قرارات سريعَة جدا ومبنيَّة على عاطفة عمياء وشُحنَة أمَلٍ زائفة، ولو كان هذا القرار قد عُرِض على ميزان العقل واستُبطئ بالتروِّي والاستبصار واستخير فيه الله واستُخيرَ فيه أعيان البشَر؛ لما كانت النتيجةُ، غالبًا، بهذا السوء. المشكلة لا تكمُن فقط في سُوء اختيار شريك الحياة بتلبية عرضه بالقلب فقط، بل كذلك في نفِي الذات كُليًا عبر تنصيب الزواج محورًا لكونِها وحياتها، تسكُبُ فيه قلبها حتى يفرَغ تمامًا ولا تجِد منهُ إلا القليل، والأصلُ في العطاء السكب هو الاتزان والأصلُ في الحياة الزوجية هو المشاركة وليس التفرُّغ التام للحياة في حياة شخصٍ آخر، (في) وليس (مع)، وفي المقابل هذا الزوج الذي سيجِدُ شخصًا مجندًا لديه، لن ينتبه مع ازدحام الحياة (إذا أحسنت الظن)، أن يُذكرها بحقّها في الحياة، بأن تجد لها أفلاكًا ثريَّة تدُورُ حولها؛ تمامًا كما تدُورُ حول فلك مملكتها في المنزل، أفلاكًا أُخرى تُحقِّق من خلالها ذاتها وكيانها أينما كانت هذه الأفلاك. هكذا تجني بنات جنسي على قُلوبهِن، المرأة عاطفية في طبيعتها، لكنها أحيانًا كثيرة تنسى أنَّ لها قوَّة خاصَّة وسلاحًا قاهرًا في عاطفتها الخاصة هذه، فتحوِّل هذه النعمة إلى نقمة تجنِي عليها وتُكلِّفها الكثير.
برأيي الشخصي فإنَّ التعقُّل والاتزان يدرآن الكثير من العِلل العاطفيَّة في الحياة الزوجيَّة، فالإنسان لا يجِب أن يرتبط لشقاء نفسِهِ أو شقاء غيره، الحياة الزوجيَّة إن لم تجعل الطرفين خلية أصلَح في هذه الأمَّة وهذا المجتمع، تُرى ما الهدف منها؟ وهُنا تذكيرٌ لطيفٌ بأنَّ قلب الرجُل كذلك ينكسِر ويجنِي على نفسِهِ العِلل تمامًا كالمرأة، رغم تفوقها عليه بكثير في هذا المضمار. إنَّ العلاقة بين العاطفة والروح علاقة معقدة وغير مفهومة، العاطفة التي تحجب العقل تمامًا عند الحاجة للمنطق، هي نفسها العاطفة التي تُعِلُّ الصحَّة وتُزهق الروح عند انكسار القلب، وفي ذلك تقول جراحة القلب الأستراليَّة نيكي ستامب Nikki Stamp في كتابها (هل يُمكنك أن تموت جرّاء القلب المكسور؟ Can you die of a Broken Heart?): «هناك الكثير من الإشارات الإيجابيَّة في علم وظائف الأعضاء وكذلك العديد من التفاعلات الإيجابية التي تحدث في الجسم عندما تكون على تواصل اجتماعي وعاطفي جيِّد مع الطرف الآخر، يبدو أن أدمغتنا تلاحظ هذا وتعتبر أنَّها علامة على أنَّك بصحة جيدة».
{ إعلاميَّة وباحثة أكاديميَّة - جامعة قطر

خولة مرتضوي