كتاب وأراء

مهلا سيرانو، ما هكذا نَرْتَشِفُ الحُبَّ !

بقلم- د.سعاد درير

كاتبة مغربية
لِكُلّ مُحِبٍّ مُلْهِمَة، مُلْهِمة تَعتصر له كأسَ الشَّغَف..
الحُبُّ نَبيذ، نَبيذ هُوَ تَرتشفه شيئا فشيئا يا صديقي، ولا عقل ولا منطق في وسعهما أن يَعترفا برغبتك في أن تَسمح لغيرك بأن يَلعق شيئا منه..
ولأن منديلَ الرغبة لا يُسعفك في أن تُلَمْلِمَ ساقيةَ الشوق وقد تَدَلَّتْ دَواليه حالفةً أن تُغْرِقَكَ حتى الحياة الثانية، فإنك تَنأى بنفسك عن أن تَهَبَ سِواكَ فرصةً للتسلل إلى حَلبة سِباق المشاعِر تِلك الراكضة فيها خَيلُك وخَيْلُها هي أُنْثَاك وتَوأم روحك..
روستان: الشاعر في كواليس الحياة
حياتُنا لا تَختلف عن كواليس وخشبة، فيها تُوزَّعُ علينا الأدوار بمشيئة الأقدار، ولا ينتظرنا إلا أن نُمَثِّلَ، نمثل بحرارة، وبتقمُّص غاية في بُلوغ مرام التَّجْسِيد..
هكذا هي كواليس المسرح وخشبته، ومِن قلبِ الخشبة نُوثِرُ اليوم أن نَلْتَقِطَ مشاهِدَ دامعةَ القلبِ باسمةَ العينين لِحالةِ حُبّ، حُبّ يَستوي على نار هادئة، أو هكذا يُخَيَّلُ لبطله الحقيقي مَن طفقَ يكتوي بالجمرة والجذوة والشظية وفي نفسه شيء مِن «لا» و«لكن»..
إلى باب المسرح الأكثر شعبية يَقودنا الشاعر الفرنسي إدموند روستان Edmond Rostand مؤلِّف القطعة الفنية «سيرانو دي بيرجيراك» (Cyrano de Bergerac)..
° نكران الذات – خط التضحية
ومَن يَكون سيرانو دي بيرجيراك هذا غير الشخصية الرئيسية التي يَتَّخِذُها زمنُ العرض فاعلا محوريا في المسرحية التي تَقوم على مفهوم التضحية..
إنها التضحية «مِن أجل» وليست هي التضحية «بِـ».. إنها التضحية التي لا يمكن أن تَصدر إلا عن قلبٍ نبيل هامَ إيمانا بفكرة إيثار الآخَر على الأنا ونكران الذات..
إنها التضحية بالحبيبة الْمُلْهِمَة لأرقّ المشاعر وأرقاها، ولماذا التضحية؟! لأن سعادة الحبيبة تَكمن في العلاقة التي ربطَتْها برَجُلٍ آخَر، رَجُل هو قد يَصعب على منافِسه أن يَتحَمَّله، لكنه مجبَر فِدَى عينَيْ حبيبةٍ ما أكثرَ أن تُحَبَّ وما أَنْدَرَ أن تُحِبَّ هي..!
القوى الفاعلة
في «سيرانو دي بيرجيراك»
-سيرانو دي بيرجيراك: شاعر نبيل، فَطِن، متيقِّظ، حاضِر البديهة، يَزِنُ الكلمةَ في ميزان الحكمة، لكن مشكلتَه أنه قد فاتَه حظُّه من الوسامة والقبول وما إلى ذلك مما يُطِيح بصُروح الإناث على مستوى القلوب والعقول..
-روكسان: ابنة عم سيرانو الفاتنة الحسناء هذه التي تَحصُد إعجاب الآخرين مِن علية القوم من الذكور بِسَخاء..
-كريستيان دي نيفييت: سَيِّد نبيل كان قد الْتَحَقَ بفريقِ عملِ سيرانو، اختاره قلب روكسان بعد أن صَفَّقَتْ له عيناها إعجابا بجماله ووسامته، مع أنه بريء من النبوغ الذهني والذكاء العاطفي الذي مَيَّزَ شخصية سيرانو دي بيرجيراك ابن عمّ روكسان..
حبيب مِن خشب
حُبُّنا للآخَر كثيرا ما يُنْسِينا ويُلْهِينا عن أنْ نُحِبَّ ذواتنا نحنُ ونُقَدِّسَها كل التقديس، لكن هذا ليس معناه أن تُوثِرَ التضحية بحبيبِكَ، ولِمَ؟! مِن أجل حبيبٍ آخَر أقلّ ما يقال عنه إنه لا يَستحق مطلقا..
إنه حبيب مِن خشب ذاك الذي يُنافسكَ في حُبِّ من تهواه عيناك ويهواه قلبك بالْمِثْل، لكنها يا صديقي جذوة الغيرة التي لا تَخمد ولا تموت، تَموت أنتَ بينما هي لا تموت..
° يا غيرة، اخمدي!
أنْ تُساوركَ الغيرةُ على مَن تُحِبُّه معناه أن قلبَكَ حيّ، وما كان قلبك المسكين ليُثْبِتَ لك باليقين أنه حيّ لولا هذه الغيرة التي تَأكل قلبَك قطعة قطعة..
سأَضُمُّ صوتَك إلى صوتي يا صديقي، ومن ثمة نُسَجِّلُ احتجاجَنا معا:
- أيعقل أن نُضحي بِمَن تَكون لنا حياته الماءَ والهواءَ إكراما لمن لا يستحق؟!
- أوتَسمح لنفسك بأنْ تَبيع هواك لمن لا يتجاوب في الحُبّ بغير خِطاب البلادة المعجِّلة بالإطاحة بحُكْمِه هو الحُبّ؟!
- ما هو الحُبّ إن لم يَكن تلك الخيوط الرقيقة من المشاعر الواعدة بأن تَحيكَ جُبَّة القلب الذي لا يَغيب عن مواسمه حصانُ الدفء ذاك الحالِف أن يَكسر الحاجز تلو الآخَر؟!
بطل الجريمة النائمة
أكثر المواقف مَجَّانية في مَحْكي المسرحية هو أن يَكون سيرانو بطلَ الجريمة النائمة التي جعلته يَتَواطَأُ مع لغةِ الزيف ضِدَّ مشاعر نَفْسِه..
إن نَفْسَه تلك التي حَرِصَ سيرانو على أن يُوهِمَنا بأنها ظَلَّتْ مُطْمَئِنَّةً ما كانَتْ لتَكون سِوَى عكس ما بَدَا لنا لو أنَّ الشخصية الجاثمةَ في قلب سيرانو وجسدِه كانت بالفعل شخصيةً واقعية..
قد نَغُوصُ في بحر الخيال قَدْرَ ما تَميل إلى ذلك اشتهاءاتُنا، لكننا ما كُنَّا يوما لِنُضَحّي بِمَن نُحِبّ، إنه هذا الذي صَيَّرْنَاهُ سَيِّدَ القلب..
° روكسان تَلْتَمِسُ مَنْ يُجاريها
الأكثر غرابة منطقية في نصّ أرموند روستان المسرحي هو أن سيرانو دي بيرجيراك يَمضي مُضِيَّ المخدَّر وهو يُجَنِّدُ كُلَّ أدواته العاطفية لخدمة قلبٍ مِن رخام، قلب لا يُجيدُ فنَّ الكلام، ولا يَعرف ما ينتقي من العبارات غير تلك الخَشِنَة التي تُؤْذِي الذائقةَ، فإذا بها لا تختلف عن حَجَر سيَلِيقُ بكَ مِن المؤكد أن تَرشق به مَن لا يَستحقّ أن تُحِبَّه..
إن مُنَى عينَيْ روكسان ابنة عمّ سيرانو الحسناء الثَّرية أن تَجِدَ مَن يَقوى على أن يُجارِيها في مُحْتَرَف الصناعة والبِناء، ولا نَقصد هنا بطبيعة الحال غير الصناعة اللفظية تلك التي يَجد البليدُ كريستيان قُبالَتَها كُلَّ الحَرج هو الذي لا عهد له بأناقة الكَلِمة..
رسائل البحر.. بين ضلوع عاشق
خلافا للوسيم الأبله كريستيان، سَنَجِدُ تعيس الحظ سيرانو سَيِّدَ اللغة وقائدَ كَتَائِب حروفها وألفاظها، فما بالنا وقد أَلْهَمَهُ زمنُ الحُبّ (على امتداد مسافة وُقوعه في حُبّ ابنة عمه روكسان) مِن عَذْبِ الكلمات ومُرْهَف الإشارات ما يَجِدُ فيه ضالَّتَه السائل..
كُلّ هذا تجلى من خلال الرسائل، صَدِّقْ يا صديقي، إنها الرسائل (رسائل بحر الحُبّ) التي تَتَدَفَّقُ شِعريةً ما كانت لِتَتَفَجَّرَ كالنهر إلا بين ضلوعِ عاشق شَحَّ عليه قَدَرُه بشيء من الجمال الذي يَدُلُّه على قلبِ سيدةِ الدَّلال..
الرسائل التي كان يَحملها كريستيان على بريد الشوق واللهفة إلى قلب فَتاته المعبودة روكسان لم يَكن كاتبُها الحقيقي سِوَى الشاعر النبيل سيرانو الْمُعَذَّب بِصَدِّ قلبها له..
وإن كانت قد جاءتْ هذه الرسائل مُوَقَّعةً بِاسْمِ كريستيان، فلأنَّ سيرانو عرضَ على من اختاره قلبُ حبيبته روكسان أن يُساعدَه حتى يُرضيها شغفاً بمستوى العبارة التي يَزيدُها رَوْنَقاً مَقامُ الإيحاء وبهاءُ الاستعارة..
° خيانة المشاعر – البطل الانهزامي
موقف كهذا من الجَلِيّ أنه يُوغِل في السّلبية، فكيف لكَ بالتالي أن تَتَقَبَّلَه مِن عاشق رأى من الحكمة أن يَخون مشاعرَه تجاه مَن تُحِبُّ وتَهوى؟!
لِنَقُلْ إن شخصية سيرانو تَختزل معنى البطل الانهزامي، لماذا؟! يَكفي أن سيرانو آثرَ الموتَ العاطفي لنفسه في سبيل إنقاذ مشاعر حبيبة أَخْطَأَت الاختيار عند خَطّ اتخاذ القرار..
إن اختيار الجميلة روكسان للشاب كريستيان هو اختيار يَتَّكِئ على ترجمةِ مرآةِ العين لا القلب، ومِن هنا كانت نبوءةُ عينَيْ روكسان كاذبة..
° الرسالة: تواطؤ ضد الرغبة
رسالة عظيمة ها هي ذي تُمَرِّرُها مسرحية سيرانو دي بيرجيريك للشاعر المبدع أرموند روستان، إنها ضرورة الرؤية بالقلب لا بالعين، فما يراه القلب دائما هو الأكثر صِدْقا..
سيرانو المسكين نَراه يَجْلِدُ قلبَه بِسَوطِ الرفض لحقيقة وَجهه الصادمة هو البارز الأنف والمعْدَم الجمال في ميزان العينين..
إن سيرانو يُوهِمُنا بالحاجة إلى التضحية بالقلب (النفس) مِن أجل الآخَر الذي لا يساوي شيئا في ميزان الحكمة والمنطق، لماذا؟! فِدَى معبودة لا تَرى بالعين ما يستحق أن تراه بالقلب..
ولا غرابة أن هذا المفهوم العَبَثي (اللامعقول) المستَلْهَم مِن تجربة سيرانو قَلَّمَا يتحقق على أرض الواقع، لماذا؟! لأن الشخص الذي نُحِبُّه لا يمكننا بأي حال أن ندسّه في علبة ونلفّه بورق تلفيف الهدايا ونزينه بأشرطة ذهبية ونضعه في يَدِ الآخَر ذاك الذي يشتعل انتقامنا منه قبل أن يأخذ منا شيئا..
مَن نُحِبُّه هو دائما معادل لوجودنا، فإذا تواطأنا ضد رغباتنا مِن أجل إرضاء غروره، فهذا معناه الذبح حتى العظم لفؤاد يُقيم بين ضلوعنا..
هذا الفؤاد لا ذنبَ له سِوى أنه عشقَ وهامَ، فرفرفَ بجناحيه كالفراشة الحالفة أن تقتصّ رقصا باعثا على الانتشاء مِن نقطة الضوء الكائنة، وإن كان في هذا الهذيان عن سابق إصرار بداية التأهُّب لفِعل الاحتراق..
مجرى أزمنة العرض النفسي
لِنَقُل إننا إزاء ثلاثة أزمنة نفسية على مرّ أحداث المسرحية:
-زمن الحُبّ: ويتجلى في شخص الضحية رغم أنفه سيرانو دي بيرجيريك ذاك الذي أحكمَ قبضةَ كَفِّه على قلبه المرتعش ورفعَ راية الاستسلام موثرا حياةَ العتمة أو البقاءَ في الظّلّ..
-زمن المؤامرة: ويعود بنا إلى بداية المكر الذي غَطَّى به كريستيان على عيبِه الكبير المقيِّد لحركية فن الكلمة الغائب عن زمنه، إنه المشارك في الجريمة النائمة، وهو نفسه الساكِت عن حقّ روكسان في إنصاف قلبها الأعمى..
-زمن الاستفاقة العاطفية: ونربط هذه الاستفاقة المتأخرة بشخصية روكسان التي أدركَت الصباح العاطفي بعد فوات الأوان، إذ لم يكن أمام عاشقها سيرانو المزيد من الوقت لتَهَبَهُ هِيَ حياةً ثانية..
صحوة المشاعر – انطفاء الجمرة
يَزفّ القَدَرُ موتا مبكرا للعاشق الصبور سيرانو دي بيرجيريك، وبعد موته الذي كشفَ أوراقَ اللعبة، ستنطوي روكسان على نفسها وتتقوقع على ذاتها تحت قُبَّة التعذيب النفسي الذي ستُمارسه على نفسها الزاهدة في غير الحبيب المثالي..
إننا هنا أمام موقف لا يُحسَد عليه، يتجلى في تَأَزُّم حال البطلة روكسان بعد فشلها في إخماد مشاعِر صَحَتْ صَحْوَةً متأخرة عن زَمن الشُّرود الذي جَعَلَها كريستيان بَطَلةَ خشبته..
لكن، أنَحتاج يا صديقي إلى قراءة شِعر يتهادى على أمواج رسائل ذائبة حتى نَنْتَبِهَ إلى موهبةِ مَن قاسمناه الحياة حُبّاً، وإن كان حُبّاً مُعَلَّقا على عَمود الوهم؟!
أَمْ ترانا يا صديقي نَحتاج إلى أكثر من غرزةِ إبرةٍ مُجَمِّلَةٍ لنرى الوجهَ البهيّ لِمَن نُحبُّ بعيدا عن خريطة تضاريس سَطحية لا تَعِدُ بالتقاط أنفاسِ الإعجاب أو اعتصار خيوط الإحساس طلبا لشيء مِن العسل «الحارّ» ذاك المتوقَّع من شُهْدَةِ الحُبّ الْمُحَلاَّة بِسُكَّر المشاعِر والمُطَعَّمة بخُلاصة زَيت أوكاليبتوس غابةِ الرغبة ذاكَ المُنَشِّط لدورة عُروق العِشق؟!
..
مَهْلاً، مَهْلاً سيرانو، ما هكذا نَرْتَشِفُ الحُبَّ!

سعاد درير