كتاب وأراء

انتظار الذي يأتي ولا يأتي

قالوا: الحياة مسـرح كبيـر، وعلى خشـبته تـقدم المأسـاة والكوميديا وما بينهـمـا (الكوميـديا السـوداء)، والمسـرح ليس خشـبة وأضواء وديكوراً فحسـب، ثمة مؤلـف ومخرج ومصمم الـديكور والأزياء والإضـاءة، والأهـم المـمـثـلون، وهذا كله يغـفل عنصراً مهـمـاً جـداً هـو المتفرجون، ما قيمة مسـرحـية لا يشـاهدها أحد؟ دورنا أن نكون المتـفرجين، في السـياسـة والاقتصاد والعلوم والفنون والآداب والاختراعات، وهذا دور ليس هامشـياً، لأنه يعني أننا المسـتهلكون، وكل صناعة وأدب وفن يبحث عن المستهلكين، وإلا كسدت البضاعة وظلت في المخازن. تفعل بنا إسـرائيل الأفاعـيل، وتـتمدد إيران في الوطن العـربي، وتأتي داعش من أعـماق الظلام، وقد يغـزونا وباء جديد كإيـبولا أو كورونـا أو أنفلونزا الخـنازير أو الطيور، وننتظر من الغرب الاستعماري أن يحل لنا هذه المشاكل.
ننتظر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الاميركية، ونبدأ بـبناء الأحلام وتعليق الآمال على هذا المرشـح أو ذاك، وعلى الحزب الديـمـوقراطي والحزب الجمهوري. وتتعـلق أبصارنا بالانتخابات البريطانية، وتبدأ حساباتنا: هل ينتصر المحافظون أم العمال أم الديمقراطيون الأحرار؟ وقس على ذلك الانتخابات الفرنسـية الرئاسـية والبرلمانيـة، حتى وصل بنا الأمر أن نعول كثيراً على الانتخابات الإسـرائيلية، وكأن ثمة فرقاً بين الليكود والعمل و«إسرائيل بيتنا» أو حزب «أزرق – أبيض» الجديد، أو بين الصقور والحمائم في إسرائيل.
ويأتي رئيس أميركي جديد، فـنهلـل ونكبر ونهتـف وتزغرد النسـاء، ويخيب أملنا بالـرئيس الجديـد فـنلتـمس العذر لـه: إن الرئيس لا يـملـك حـرية الحركـة في الولاية الأولى، ويعـيـد الشعب الأميركي انتخاب رئيسه ولا يتغير شيء، فنعود إلى انتظار الانتخابات القادمة. وما أعتقد أن أمـة من أمم الأرض انشـغلت وتنشغل بالانتخابات الرئاسية الأميركية أو انتخابات الكونغرس كما انشـغـل العرب.المتـفـرجون عـنصر أسـاسي في المـسـرح، والمسـتـهـلكون مهـمـون للصناعات، وصنـاع المسرحية والشـركات يخشون انصراف المتفرجين والمستهلكين، ولكن صانعي مسرحيات الحياة ومنـتجي البضـائع لايخـشـون انصرافـنا، فكأننا مربوطون بهـم بوثاق متين لا نـقـدر على الفكاك منه، وما قيمة أمـة لا تـفعـل سـوى المشـاهـدة والاسـتهلاك؟ أعـطوني مشـكلة عـربية واحـدة كنا فاعـلـين في حـلهـا.. (ماذا فعلت الأمة لحل أزمات ما سمي الربيع العربي؟) أعـطـوني دواء واحداً ابـتكـره العـلـماء العـرب.. أعـطوني عالماً عـربياً واحداً وصل إلى العالمية ونوبل (أحمد زويل أميركي).. أعطوني اختراعاً واحـداً قـدمـناه لفائدة الـبـشرية حتى لو كان إبرة.. أعـطوني دولة عـربية واحدة اكتـفـت من أي شـيء، وتسـتـورد لأنها تصدر شــيـئاً بالمـقابـل، نحن نصدر البترول، وما فضلنا في هذا إذا كان الاستكشاف والإنتاج غير عربي؟ قرأت نكتة مبكية «كيف نصير مثل اليابان؟ يجب أن نبدأ بالقنبلة النووية لنبني على نظافة».
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين