كتاب وأراء

أميركا والغرب وأسطورة الأخلاق السياسية ! «2»

النقطة الأهم هي إصدار الغرب لقرارات وإدانات حول أحداث مر عليها أكثر من قرن من الزمان بحجة حقوق الإنسان والحريات ومحاربة العنصرية بينما لا يقوم بالمثل مع النظام السوري وسفاحه بشار الأسد وهو من قتل من شعبه مئات الآلاف واستهدفهم بشتى أنواع الأسلحة وهجر الملايين ودمر غالبية مدن وقرى دولته وفعل هذا على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وفي بث مباشر بالصوت والصورة وغير بعيد من القوات الأميركية الموكل إليها حماية المناطق النفطية ومع هذا لم يجتمع مجلس النواب الأميركي لوصف ما حدث ويحدث بالإبادة الجماعية أو يقرر فرض عقوبات موجعة ومؤثرة بالفعل وليست للشو والاستهلاك الإعلامي وخدمة للهدف السياسي، ولسان حالهم يقول فلتذهب دماء الأبرياء وحقوق الإنسان إلى الجحيم فلا مكان لها لو تعارضت مع مصالحنا وأهدافنا.
القاعدة العامة والثابتة في الغالب مهما تغيرت الأزمان والمواقف هي أن خير الأقوال وأكثرها فائدة وتصديقًا هي ما تثبتها الأفعال، قد تتغير معايير تلك القاعدة وأساليبها عند محاولة تطبيقها في التعاملات السياسية، فالسياسة لها حساباتها وقواعدها المختلفة ولها أكثر من وجه فما يتم التفاهم والاتفاق عليه خلف الأبواب المغلقة غالبًا ما يختلف عن ما يتم تصديره لعامة الشعوب، ويلقى به في أقرب سلة للمهملات لو تعارض مع المصالح ما يتم الصراخ عاليًا لأجله والمتاجرة به خصوصًا في الغرب من الديباجات المحفوظة حول حقوق الإنسان والحريات والأخلاق ما هي إلا سواتر يتم الاختباء وراءها للوصول لأهداف متعددة الأنواع والخصائص ومكاسب بأنواعها سياسية واقتصادية وما يتبعها من تغييرات في البنية السياسية والجغرافية والعرقية للمناطق المستهدفة.
في السابق كان الغرب يبذل الكثير من الجهد والعديد من المناورات للحصول على مكسب ما سياسيًا كان أم اقتصاديًا خاصة في منطقة الشرق الأوسط ويستبق هذا بتمهيد إعلامي وخطاب سياسي موجه وبمنتهى الدقة والحذر تجاه الشعب المستهدف وقد يستغرقه الأمر سنوات عديدة للوصول لمبتغاه وكثيرًا ما كان يدفع قبل يأخذ طبعًا مع الفارق أن ما يحصل عليه يفوق ما يدفعه أضعافًا مضاعفة، أما اليوم فقد اختلفت الأوضاع فلم يعد هناك من داع للالتفاف أو الاختباء أو المراوغة ولا توجد حاجة لبذل الجهود لإقناع -خداع- الشعوب فما زرعه الغرب عبر دعمه للطغاة والأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وما جرى على أياديهم من مذابح وحشية وحروب شعواء لا تفرق في الاستهداف والقصف بين البشر والحجر وانقلابات دموية جعل الوصول لأهدافه ومكاسبه بطريق أسهل وأسرع ولو على حساب أشلاء القتلى وأنات الجرحى ومعاناة المهجرين وعذاب اللاجئين وكون ما يتم هدمه يفوق ما يتم بناؤه، كل هذا العناء والمآسي والمؤامرات المتعاقبة سببه الرئيسي كون منطقة الشرق الأوسط منكوبة بما تحتويه من ثروات فوق الأرض وتحتها من الناحية الاقتصادية ومهبط الوحي للديانات الثلاث من الناحية الروحية ووقوعها في قلب العالم والمتحكمة في خطوط وخيوط التجارة العالمية حرفيًا من الناحية الجغرافية والناطق غالبية قاطنيها بنفس اللغة والمتقاربين في العادات والتقاليد والثقافات وكل ما يؤهلها لتصبح وحدة وقوة سياسية واقتصادية يحسب لها العالم أجمع ألف حساب وهو ما يدركه الغرب ويعلمه علم اليقين ربما بدرجة أكبر وأعمق من غالبية حكام وسكان المنطقة أنفسهم.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري