كتاب وأراء

أمجد ناصر.. المثقف المتسق مع ذاته

في إحدى دورات مهرجان السنديان الثقافي، الذي كنت أنظمه بالتعاون مع مجموعة من الأصدقاء في قريتي لملاجة في ريف محافظة طرطوس، جاءت ضيفة على المهرجان السيدة هند زوجة أمجد ناصر، كانت برفقة الشاعرة الأردنية الصديقة زليخة أبو ريشة، التي كانت مدعوة يومها للمشاركة في فعاليات المهرجان الشعرية، عرفتني زليخة على هند، وابتدأت بيننا علاقة صداقة، رغم تباعد الأمكنة، هند وأمجد كانا يقيمان في لندن، وأنا أقيم في سوريا تلك الفترة، لم أكن قد التقيت أمجد ناصر بعد، لم أكن أعرفه بشكل شخصي، كنت قارئة لشعره ومقالاته في صحيفة القدس العربي،
وكنت معجبة جدا بأسلوبه في كتابة المقال، سواء الثقافي أو السياسي، حيث يعرف جيدا كيف يظهر ثقافته الواسعة دون استعراض، وبلغة جميلة جدا، نادرا ما نقرأها في عالم الصحافة، أما على المستوى الشعري فكان أمجد ناصر أحد أهم شعراء الحداثة العرب، متفردا في لغته وخياله، منحته نشأته البدوية لغة قوية وخيالا حادا وأثرت فيه الغربة والعلاقة النفسية مع مدينة كبيرة كلندن، التي انتقل إليها منذ شبابه الأول.
حاولت كثيرا خلال سنوات المهرجان إقناع أمجد ناصر بالحضور إلى سوريا والمشاركة في المهرجان، لكنني كنت دائما أجابه برفضه القاطع، وتأكيده أن الموضوع لا يتعلق بي شخصيا بل بموقفه من النظام السوري، فهو يرفض زيارة سوريا طالما نظام الأسد على رأس الحكم فيها، إذ «ثمة اصدقاء سوريون كثر له ممنوعون من زيارة سوريا، ذهابه إلى سوريا سيكون بمثابة الخيانة لهم» كان هذا الموقف قبل أن تنطلق ثورة السوريين، وقبل أن يحدث كل ما حدث، لم يكن موقفه من النظام السوري تضامنا مع السوريين المنفيين فقط، بل كان أيضا بسبب رؤيته الصائبة حول استخدام النظام السوري للقضية الفلسطينية كنوع من المتاجرة السياسية الرخيصة، إذ إن ارتكابات نظام الأسد الأب بحق الفلسطينيين كانت كبيرة، وخياناته للقضية الفلسطينية ولحركة المقاومة الوطنية في لبنان، التي ابتدأت باغتيال كمال جنبلاط ولم تنته عند مخيم تل الزعتر، أيضا كبيرة.
لم يكن لمثقف يساري وطني ملتزم كأمجد ناصر أن يتسامح معها، وهو الذي التحق بالمقاومة الوطنية في بيروت، وخرج مع الفلسطينيين يوم خروجهم الكبير منها، حتى إن كثرا كانوا يظنون أن أمجد ناصر فلسطيني لا أردني، وأن اسمه هذا هو الاسم الحركي الذي أطلق عليه فترة النضال السري، فاسمه الأصلي هو (يحيى النعيمي) الذي ترجع أصول عائلته إلى قبيلة النعيمات في سهل حوران.
أما أمجد ناصر فهو الاسم الذي اختاره لنفسه في بيروت فعلا، ليكون هو اسم الشاعر، تاركا يحيى النعيمات بكل إرثه العائلي خلفه، ليعود إليه لاحقا، في مرثيته لنفسه قبل وفاته بعدة أشهر بعد أن تمكن منه سرطان الدماغ، وأخبره طبيبه ان لا أمل في الشفاء. في شهر أبريل من عام 2011، بعد انطلاقة الثورة، دعيت للمشاركة في مهرجان ثقافي في اسكتلندا، أنهيت المشاركة وذهبت من اسكتلندا إلى لندن، التقيت يومها بمجموعة من الأصدقاء، كانت الثورة السورية هي الحدث الأكثر تجليا لدى جميع من التقيتهم، كان أمجد ناصر، الذي كنت ألتقيه للمرة الأولى، هو الأكثر وضوحا في رؤيته لما يحدث. أذكر أنني زرته في بيته هو وهند مع إحدى الصديقات، وتحدثنا طويلا عن الثورة السورية ومسارها وعن مخاوفه من إجهاضها بفعل إجرام النظام السوري، كان يرى أن المجتمع الدولي سوف يعيق انتصار الثورة، إذ إن نظام الأسد هو نظام مدلل من قبل إسرائيل، وهذا سبب كاف لحمايته، كان محقا، كعادته في رؤيته، تحدثنا عن هذا مرة أخرى عندما التقينا في إيطاليا بعد أربع سنوات من لقائنا الأول. في زيارتي لبيته تلك، كانت هند تعاني من بدايات الفشل الكلوي، وكان لافتا لي طريقة تعامله معها، عنايته بها، حرصه على صحتها، كان هذا الشاعر البدوي الشهير بحديته، طريا كالماء في تعامله مع زوجته، شاعرا بكل معنى الكلمة، ولم يطل الأمر حتى عرفنا أن أمجد ناصر، بعد أقل من سنة، قد وهب لزوجته إحدى كليتيه.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران