كتاب وأراء

ماليزيا بين تعايش الشعب وتعايش الشرق

بدت الزيارة الأخيرة لكوالالمبور أكثر حيوية وحميمية هذه المرة، وإن كانت الرفقة من الإخوة الماليزيين الدفء معتاد في أرواحهم ومشاعرهم، كانت هذه الرحلة مختصة بحضور احتفال تدشين النسخة الإنجليزية من فكر السيرة، إضافة لبعض الاهتمامات البحثية التي تهمني في التجربة الماليزية، والعاصمة الماليزية ليس لديها جذب سياحي طبيعي كالجزر.
ولكنها حيوية في علاقات الشرق، وفي مستقبل المواطنة المتحدة، التي تخوض غمار تثبيت مهمة، لقواعد النهضة الماليزية والدولة المعاصرة اليوم، خاصة بعد عودة قطبيها د. مهاتير محمد ود. أنور إبراهيم، والمهمة هنا هو كيف تعزز المواطنة المتحدة، دون إسقاط حقوق الشخصية القومية لأهل البلاد، التي كافح في سبيل استقلالها شعب ماليزيا المسلم.
فالموقف الوطني العام، في الثقافة الملاوية أي القومية الأصلية لأرخبيل ماليزيا، هي ضرورة الحفاظ على هذا التعايش والنسيج الوطني، مع إخوانهم في الوطن الجديد بعد الاستقلال من أصول هندية أو صينية، والأخيرة ذات حضور مميز، وأغلبية في صناعة الاقتصاد ساهمت بلا شك في نهضة ماليزيا الاقتصادية، التي وفرت لها تجربة النجاح النهضوي، سوقاً مختلفاً مع روح ممانعة أمام ضغط الشمال الغربي.
لكن المشكلة هي في قوة الصين الإمبراطورية التي تزحف اليوم، وتسعى دول كبرى، إلى وقف هذا الزحف الذي يؤثر على بعض الخصوصيات الاستقلالية للدولة الحديثة، أمام قوة المال والعمل الصيني، المختلط برأس مال وقوة بكين السياسية، ولذلك من الطبيعي أن تخوض ماليزيا تجربتها اليوم بشيء من القلق، يسعى للحفاظ على وحدتها الوطنية واستقلالها معاً، وخلق مسار سياسي يتفق مع شروط النهضة في الحرية البرلمانية ومكافحة الفساد.
ولقد أدركت مسألة مهمة للغاية في الاختيار الكريم، لجمعية علماء ماليزيا لكتاب فكر السيرة، حيث تزامن ذلك مع مؤتمر الجمعية العام الذي خصص لقضية فقه التعايش، وهو مسار مهم جداً، لاهتمام السادة العلماء كمؤسسة شرعية مستقلة، مرتبطة بالعمق الإسلامي للشعب، فأخبرني د. بهروم بلقاسم، أمين جمعية علماء ماليزيا والمشرف على النشر، أن اللغة الفكرية لكتاب فكر السيرة، والمسار الإنساني لها، تأتي متفقة مع هذا التوجه في تعزيز أرضية التعايش والمواطنة، إضافة لحاجة شباب ماليزيا، لثقافة تجديد يفهمون بها رسالتهم بلغة تواجه أسئلة العصر.
وقد كانت رسالة الحفل وحجم الاهتمام بالكتاب مدعاة لامتناني الكبير للجمعية، راجياً من الله عز وجل أن يبارك في النسخة الإنجليزية لفكر السيرة، لتكون معززة للقيم والحقوق للمسلمين وبينهم وبين مواطنيهم وشعوب الأرض، على قاعدة العدالة التي هي من قطعيات القرآن الكريم، ومقصداً أعلى للرسالة الإسلامية.
لقد خصصت ختام كلمتي عند احتفال المؤتمر العام، بكتاب فكر السيرة الذي حضره الممثل الشخصي للدكتورة وان عزيزة نائب رئيس مجلس الوزراء، إلى قضية مفصلية يعيشها حاضر العالم الإسلامي، وهي في عمق معاناته، وجراح شعوبه وهمومهم، وسبب ضياع مستقبل الملايين من أبناء المسلمين أو اضطراب حياتهم. ولذلك طرحتُ على جمعية علماء ماليزيا، تقديم مشروع منبر كوالالمبور لفض النزاعات في الشرق للقادة السياسيين في ماليزيا، فلقد أُنهك هذا الشرق من الحروب، والحروب محل الذم الكبير في كتاب الله، وإطفاؤها شريعة رحمانية، سواءً الحروب بين المسلمين في داخل دولهم، أو التوترات والصدامات بين أقطارهم، وبينهم وبين دول أخرى داخل الشرق، كقضية كشمير وما يجري بين شعبها ومطالبهم المستحقة، وبين حكومة الهند.
وقد أخبرني الصديق العزيز د. لقمان عبد الله عضو مجلس إدارة الجمعية، أنهم يعملون على تحرير المقترح، وتقديمه لمسؤولي الدولة في ماليزيا، وهذا الإطفاء للحروب والمواجهات التي أنهكت الشرق المسلم، حيث ضربت بين قومياتهم الأربع في وسط الشرق، لا يتناقض مع كفاح النهضة الذي تخوضه الحركات الإصلاحية في الشرق، لكنه كفاح عبر البعد المدني، فشكراً للأعزاء في ماليزيا، ودعاؤنا لهم بالمزيد من التوفيق لنهضتهم، ولتمكنهم من خلق هذا المنبر للمساهمة في انقاذ الشرق.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل