كتاب وأراء

توثيق ملحمة السيادة والإرادة

بقلم
آمنة العبيدلي
من أنسب وأرجح التعريفات التي عرف بها الباحثون والمفكرون التوثيق أنه حفظ الأحداث التاريخية والمعلومات الهامة من التزييف والعبث على أيدي المزيفين والعابثين، ونقلها من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل، وإلى الأشخاص والأجيال الذين يمكنهم الاستفادة منها في بحوثهم، للوقوف على ماضيهم لأخذ العبرة والدرس منها، ولا سيما إذا كانت الأحداث التي يتم توثيقها من الأهمية بمكان في تاريخ الأمم والشعوب.
ومن أكبر الأحداث التي شهدتها قطر وتعرضت لها على مر الأزمنة والعصور، الحصار الجائر الظالم من الأشقاء الذين من المفترض فيهم أن يكونوا سندا وعونا، ولذلك كان توثيق هذا الحصار الذي طال زمانه من الأهمية بمكان، والتوثيق مهمة صعبة جدا لا يتصدى لها إلا أصحاب الهمم الكبيرة والعزائم القوية المتينة، لأن أمانة التوثيق تقتضي من الموثق ذكر كل صغيرة وكبيرة، وبعد جمع المعلومات يأتي دور تبويبها بحسب تواريخ وقوعها.
الأستاذ محمد المري رئيس تحرير الوطن الغراء شمَّر عن ساعد الجد، وأخذ على عاتقه هذه المهمة، متصديا لها بكل جدارة واقتدار، فقدم مرجعا يوثق لهذه المرحلة في تاريخ قطر، ومع أني فخورة أنني تتلمذت على يديه في بداية عملي الصحفي، فهو من أخذ بيدي وأدخلني إلى عالم الصحافة الذي فيه من التعب والعذاب بقدر ما فيه من الحب والإعجاب، فرسم لي الطريق وأضاء لي الكثير من أروقتها وزواياها ووجهني لأضع قدمي على الطريق الصحيح، إلا أنني ازدت فخرا بعد قراءة هذا الكتاب، لأنه مدرسة في التوثيق والتبويب وعرض للوقائع بأمانة وصدق.
أقول هذا الكلام ليس من باب المدح والثناء لشخصه، ولكن من باب ذكر الحقيقة والاعتراف له بالجميل كمعلم وداعم للكفاءات القطرية، ومن باب أنني عايشت معه داخل الجريدة هموم الحصار منذ بدايته، وكان لي من الكتابة حوله نصيب كبير، بعد أن منحني الثقة في نفسي ومنحني مساحات كبيرة على صفحات «الوطن» الغراء.
كتاب «انتصار على الحصار» كتاب مهم جدا من أول كلمة إلى آخر كلمة، فالعنوان في حد ذاته كفيل بأن يُدرَّس، ففيه الحدث، وفيه الإرادة والسيادة، وفيه الأسلوب الشيق البديع، وفيه البراعة والمهارة التي يجب أن تتوفر في من يتصدون لصياغة العناوين، وهذا ليس بغريب على واحد من أعلام الصحافة.
إذا كان الكتاب يشكل بحد ذاته جهدا كبيرا، فإنه يعكس الجهد الصحفي للكاتب منذ اللحظة الأولى للمؤامرة، من خلال مقالاته، وضمنها كتابه دحض فيها بالدليل القاطع والبرهان الساطع ادعاءات وافتراءات دول الحصار، وزكَّى خلالها المشاعر القطرية تجاه الوطن والولاء للقيادة وقوة الإرادة، وقدم التحليلات الرصينة والأمينة لهذا الحدث الذي لن يطويه مرور الأيام.
المشاعر القطرية تجاه الوطن والقيادة هي التي كانت الدافع الأقوى للتحدي والصمود، ولتحويل النقمة إلى نعمة، والمحنة إلى منحة، فكانت الإنجازات الهائلة على مختلف الأصعدة، من حيث سرعة استكمال مشاريع البنية التحتية، وتحقيق أعلى معدلات من الإنتاج في تاريخ قطر، وتدشين المشاريع الكبرى من حجم الموانئ والمكتبات والمتاحف وغيرها، وستظل هذه الإنجازات هي الشاهد الحي على تماسك الشعب القطري، ووقوفه خلف القيادة يدا واحدة، من أجل أن ينعم الوطن بالسيادة والإرادة، وتروي للأجيال القادمة مدى التطور الذي أحدثه آباؤهم وأجدادهم في المجتمع، في جميع مفاصل حركته في زمن الحصار، ليكون درسا عمليا في قوة العزيمة.
وعلى صعيد السياسة، عرضت قضية قطر العادلة على الرأي العالم العالمي، الذي خرج في مظاهرات تجوب البلدان منددة بالحصار، وتزييف الحقائق، فوقف العالم الحر مع قطر، ووقعت الكثير من الدول اتفاقيات تعاون تعبيرا عن نبذ الظلم والظالمين.
من أهم وأبرز فصول الكتاب «محطات» التي رصدت تفاصيل المؤامرة رصدا دقيقا، من خلال ذكر الحدث وتاريخ وقوعه، بدءا من ليلة القرصنة والتخطيط لها، وما ترتب ذلك من تداعيات وتلاها من أكاذيب يعرفها القاصي والداني، والمحطات كما جاءت في الكتاب تشكل الركيزة الحقيقة التي يعتمد عليها الباحثون في البحث عن الحقيقة حاضرا ومستقبلا، فقد قطعت الطريق على من امتهنوا التزييف والتزوير.
المؤلف من خلال هذا الكتاب ومن خلال مقالاته أكد على أن سلاح القلم أمضى من أي سلاح، فطالما كان قلما شريفا أشهره في وجه جماعات المأجورين وكتائب المنافقين الذين باعوا ضمائرهم بثمن بخس دراهم معدودة، وظهروا على فضائيات دول الحصار محاولين الإساءة لقطر، ولكن هيهات ثم هيهات، فكان الوقوف في وجوههم بالمرصاد من خلال المقالات والتغريدات.
هذه التغريدات بدورها احتلت حيزا من الكتاب لتكون داعما للحقيقة من خلال منصة تويتر وبقية منصات وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت فاعلة في إحباط كل الأكاذيب التي أطلقوها.
الكتاب في مجمله إلى جانب كونه وثيقة هامة، يخلد ملحمة الثبات الشموخ للشعب القطري، ويعتبر ذاكرة قطر المضيئة اليقظة الحصينة، التي لن يعتريها النسيان، ولن يطويها مرور الزمان، حلقة وصل متينة تصل بين حاضر قطر ومستقبلها، كل الشكر للمؤلف على هذا الجهد الكبير، واختم بما أحب أن أختم به دائما «قطر تستحق الأفضل من أبنائها».

آمنة العبيدلي