كتاب وأراء

عطر يَبكيه الورد !

بقلم
د.ســعاد دريـــر
كاتبة مغربية
فَمُ الليل هو..
فَمُ الليل يزداد اتساعا لِيَمْتَصَّ آخِر ما تَبَقَّى مِن حزمة ضوء لا تُشَجِّع على عبور جِسر الحياة، وأيّ جِسر حياةٍ يكون ذاك الجسر المتهاوي شيئا فشيئا؟!
الأحلام ينال منها ضُمور العضلات، الآمال تُعْجِزُها الحفّاظات، والأماني هي الأخرى لا تَنْجو مِن عاهات، عاهات مستديمة هي تُبَشِّر بتَفَاقُم أعراض زمن الإعاقة..
بِحَزْمٍ جَسور، ها أنت يا صديقي ترى الشاعر نزار قباني يَثور، يَثور المسكين ثورة الملائكة في زمن الشياطين، يَثور هو على عقيدة الوَلاء لعرش النساء، فإذا به يُفَصِّلُ ألوانَ الشِّعر على مقاس زمن العمى، ليُغْرِقَ، رُبَّمَا، في انتشال ما تَيَسَّرَ من أصابع تُعلن اتهاماً صحوةَ النار اللاعبة بلسان خَصْرِها ضِدّ التيار..
إنه الغَلَيان.. !
«يضع ابني كراسة الرسم أمامي..
ويطلب مني أن أرسم له سنبلة قمح..
أمسك القلم..
وأرسم له مسدساً..
يسخر ابني من جهلي في فن الرسم
ويقول مستغرباً:
ألا تعرف يا أبي الفرق بين السنبلة.. والمسدس؟
أقول يا ولدي..
كنت أعرف في الماضي شكل السنبلة
وشكل الرغيف
وشكل الوردة..» (نزار قباني).
اَلْغَلَيان، صَدِّقْ يا صديقي، الغليان يَتَمَدَّد ليأكل مساحةَ صمود الإنسان، وعصا الواقع هذه الفاجرة تَصول وتَجول، عصا الواقع لا يَردعها رادع، فإذا بها تلجم قدميك، فلا تراك تَخْطُو إلا خطوات حثيثة إلى الوراء، تَخْطُو بغير إباء..
وهذا نزار قباني يرثي ذاكرة الحِسّ الإنساني المغَيَّب إمعانا في ترسيخ توجهه السياسي المشخِّص لآفة الواقع ذاك الذي تَنَاءَت المسافات الفاصلة بينه وبين مرافئ السلام..
عندما تُثْمِرُ الشجرة الْمُرَّة، فلا شيء، لا شيء يُنْتَظَر منها، وكذلك هي شجرة الواقع الذي كشفه لنا بمنتَهَى التفاني الشاعر نزار قباني..
إنها شجرة الواقع العربي الذي كان، فما كان إلا أن سَقَطَتْ عليها اللعنة، ومِن ثمة يُطرَد إنسانُها من الجنة، يُطرَد هو عاشقها الْمِلْحاح وما جَرَّبَ هو المسكين أن يَقضم شيئا مِن التفاح الْمُباح..
شاعرنا نزار، هذا الْمِقْوال الذي يُصَيِّرُه الغَرَقُ في بحر عشق النساء (مِن الأَلِف إلى الياء) الوَتَرَ الثَّرْثار، نَجِدُه لا يتأخر عن وصف طَعْم حَنْظَل الزمن «المعدني» كما ارتأى أن يُسَميه بوعي غير جائر هو الشاعر المثابِر:
«كنتُ أعرف في الماضي شكل السنبلة
وشكل الرغيف
وشكل الوردة..
أما في هذا الزمن المعدني..
في زمن السنابل المسلَّحة
والعصافير المسلَّحة
والثقافة المسلَّحة
فلا رغيف أشتريه» (نزار قباني).
وطأةُ الرصاص والدبابات أَفْقَدَت الشاعر نزار قباني الإحساس بمعنى الحياة.. فإذا بالزمن المعدني (زمن صُنّاَع الموت) يقول للحياة: أَغْمِضِي عينيكِ وانْحَنِي..
عَرَبَةُ الزمن المشحون بالأسلحة لَنْ تَترك مجالا للرغيف كي يَنشر عبقَ خميرته، ولا للسنبلة كي تَتثاءَبَ ممتلئة بالوعود، ولا للوردة كي تَبُوحَ عِطْراً كشاعرةٍ تَضُوعُ شِعراً، ولا للكِتاب كي يُمَرِّرَ غير ما يُمَرِّرُه مُسَدَّس أو مدفع رشَّاش في زمن تَسَلَّح فيه الكُتّاب (بثقافتهم المسمومة) لِهَدْم الوعي والإنسان عِوَضَ بِنائهما بأمان..
«فلا رغيف أشتريه..
إلا وأجد في داخله مسدساً،
ولا وردة أقطفها من الحقل
إلا وتَرفع سلاحها في وجهي،
ولا كتاب أشتريه من المكتبه
إلا ويَنفجر بين أصابعي» (نزار قباني).
إنها اللحظة المفصلية الْمُحَتَّمَة تِلك التي تَبكي زمنَ الثقافة الْمُلَغَّمَة، فلا حرف يُدْرِكُ قَدْرَهُ في الميزان، ولا سَطر يَنوء سِوى بما تَنوء به عينان..
«يضع ابني علبة ألوانه أمامي
ويطلب مني أن أرسم له عصفورا..
أغط الفرشاة باللون الرمادي
وأرسم له مربعا عليه قفل.. وقضبان،
يقول لي ابني والدهشة تملأ عينيه:
».. ولكن هذا سجن..
ألاَ تعرف، يا أبي، كيف ترسم عصفورًا؟
«أقول له: يا ولدي.. لا تؤاخذني
فقد نسيتُ شكل العصافير» (نزار قباني).
ولْتَكُنْ الكلمة هنا للون الرمادي ذاك الذي يُعَبِّئُه الشاعر نزار قباني بدلالات اللاَّنظام.. لِنَقُلْ إنه اللون الموحِي بحالةِ فوضى، ولْنَقُلْ بالْمِثل إنها حالة الفوضى المستعصي قَفزك عليها..
لا عصافير تُغَرِّد في سماء يُغَرِّدُ فيها الرصاصُ ويُزَغْرِدُ، لا عصافير سوى تلك التي تَنزف حالفةً ألاَّ تَفْتَح فَمَها لغير الرِّثاء..
فَمِنْ أين لك يا صديقي أن تَستوعِبَ فكرةَ أن ترسم العصفور في زمن يتناطح فيه البشر كالنُّسور؟!
إنها ثورة نِداء الحرية في زمن يَشتهي لك العبودية، زمن يُدَرِّبُكَ على أن تكون تابعا وعلى أن تَكون حياتُك صندوقا لا يَغيب عنكَ أن مفاتيحه في يَدِ جَلاَّدِكَ..
بين العصفور والسجن (السجن المعبَّر عنه في نص نزار قباني بالمربع المختوم بقفل والمؤثَّث بقضبان) ما بين الحرية وقفص الاتهام ذاك الآمِر بسيادة لُغَة الاستعباد..
فكيف بالتالي لا تُزَمْجِرُ صرخةُ الْتِمَاس الانعتاق مِن أَسْرِ واقعٍ يُفْزِعُكَ بأقنعة الرعب التي لا تَترك فرصة لحياة البراءة..؟ !
إنها البراءة المجسَّدة في خطاب الطِّفل المنخرط في حوار مع أبيه، وما الطفل سِوى رمز يُسَلِّطُ الضوء على هذه الأجيال الصاعدة التي ما تَرك لها الزمنُ المعدني مجالا لتَقول كلمتَها قبل أن يَسقط ثوبُ البراءة (براءتها) عند رصيف يُلَوِّنُه الموت..
حتى البحر أضاع الشاعر الطريق إلى لونه وشكله!
في مَرايا عينَيْ الشاعر نزار قباني يأخُذُ البحر شكل دائرة سوداء، ويتبدد اللون الأزرق ذاك الذي عرفناه ونحن صغار، لماذا؟! لأن الزمن المعدني الأَمَّار بزرع سنابل الموت قد رَتَّبَ لأهل الصيد مواعيد أخرى مع الوجع والحرمان، ومتى؟! بعد أن خَذَلَتْهُم قوارب الصيد المنهوبة، تلك، تلك التي ضَرَبَ لهم فيها قَدَرُ الجاني لقاءً مع الزمن التَّواق إلى الحرب والحَلْب والنَّهْب..
فكيف بالتالي لا تَغيب الصنارة؟!
وكيف لا يَموت سَمَك الحرية؟!
وكيف لا يَصغر العالَم لتَكبر فيه التضحية؟!
«يضع إبني علبة أقلامه أمامي
ويطلب مني أن أرسم له بحراً..
آخذ قلم الرصاص،
وأرسم له دائرةً سوداء..
يقول لي إبني:
«ولكن هذه دائرةٌ سوداء، يا أبي..
ألا تعرف أن ترسم بحراً؟
ثم ألا تعرف أن لون البحر أزرق؟..»
أقول له: يا ولدي.
كنت في زماني شاطراً في رسم البحار
أما اليوم.. فقد أخذوا مني الصنارة
وقارب الصيد..
ومنعوني من الحوار مع اللون الأزرق..
واصطياد سمك الحرية (نزار قباني).
لِنَقُلْ، لِنَقُلْ إنها التضحية بالحياة بعد أن تَخرسَ الأصوات ويَعلو صوت الرصاص المنذِر بالموت لا محالة.. فإذا بكل ما يوحي بالحرية تتعطل لغته وتَنكسر سيقانه وتُقَصْقَص أجنحتُه..
ولأن الموتَ يَسُود، فإن كل ما يُحيل على الحياة يَسْوَدُّ في عيني الشاعر، وإذا بلون الحُلم يَغيب، لون الحلم الأزرق لا يعرف الطريق إلى عيون الناس بعد أن يُعلَّق الإحساس على شاهدةٍ وهناك قبور تنتصب في كل مكان صارخةً بانهزام حصان السلام في معركة المطالَبَة بالحرية..
ولأن الحرية تَغيب، يتحول الوطن في عينَي الشاعر إلى قفص، قفص ضَيِّق لا يَسمح باختلاس الأنفاس..
فأيّ معنى ذاك الذي سيُصْبِح للوطن؟!
«يضع ابني أقلامه، وعلبة ألوانه أمامي
ويطلب مني أن أرسم له وطناً..
تهتز الفرشاة في يدي..
وأسقط باكياً» (نزار قباني).
وحده البكاء يُعلن صحوةَ تباريح الشوق، وحدها الدموع تَكتب قصيدة حياةٍ تَكفر بها الحياة في زمن الدبابات التي تَدِينُ بِدِين الطُّغاة..
لا وقتَ للحياة..
فَلْتَبْكِ عطرَكَ يا وَرْدُ.

سعاد درير