كتاب وأراء

إلى الـــوراء.. دُر إلى حيث الثورة السورية

ربما من الضروري التذكير كل مدة من الزمن بما كانت عليه الثورة السورية عام 2011، بعد أن غيبها الزمن والحروب والتآمر والموت والتهجير، وصارت أحداثها خلال الأشهر الستة الأولى في طي النسيان، قلما يتذكرها أحد إلا قلة من السوريين الذين شاركوا بها في بداياتها، قبل أن تتعسكر وتتأسلم وتصبح دعوة جهادية بدلا من أن تكون ثورة شعبية ضد الطغيان والقمع والاستبداد.
فحين يتم الحديث اليوم عن سوريا في وسائل الإعلام أو في أي نشاط، لا يمر بالبال سوى مدن مدمرة ومقابر وأشلاء جثث، ومهجرون يفترشون التراب، ولاجئون، غرقى وقتلى ومنكل بهم في كل العالم، ومخيمات يعيش سكانها حياة الذل والقهر، وأطفال محرومون من التعليم ومن اللعب ومن أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة، ويحضر في الذهن أيضا حروب متنوعة وقرقعة السلاح وأساطيل عسكرية لدول واحتلالات مختلفة، وتحضر داعش والنصرة وجيش الإسلام وكل تلك الكتائب التي استطاعت طمس الثورة السورية، والقضاء على أية نقط ضوء للعيش بكرامة، بعد أن تحالفت تلك التنظيمات الظلامية مع النظام لإنجاح الثورة المضادة، وتحالفت مع الدول الممولة لها لتنفيذ أجنداتها المتعارضة تماما مع أهداف الثورة السورية.
فخلال الأشهر الستة الأولى من عمرها، شكلت الثورة السورية واحداً من أروع الاحتجاجات المدنية والحضارية، التي يمكن أن تحدث في العالم، لا سيما في دمشق العاصمة، وفي حواضر المدن الكبيرة التي ثارت وانتفضت، لم يسجل حوادث اعتداء على الممتلكات العامة والخاصة إلا ما ندر، ومن المعلوم أن حركات الاحتجاج في العالم كله تستخدم الحرق والهدم والسرقات في بدايات سيرورتها، وهو ما حدث في فرنسا واليونان واسبانيا وتشيلي حاليا، وحدث في غالبية المجتمعات التي حصل فيها احتجاجات شعبية، كانت المظاهرات السورية، رغم مواجهتها برصاص النظام القاتل منذ اللحظة الأولى، عبارة عن مهرجان رقص وغناء ومحبة عالية استعاد معها السوريون وقتها حس المواطنة المفقود في المجتمع السوري، لا مجال أيضا للحديث عن كل ما فعله شباب وصبايا سوريا المدنيون وقتها، إذ اخترعوا وسائل وآليات مدنية للاحتجاج كانوا سباقين بها في العالم كله، هل ينسى أحد لافتات كفرنبل مثلا؟! أغاني القاشوش والساروت؟! الشابات اللواتي كن في مقدمة المظاهرات؟! الحراك المدني المذهل في دمشق تحديدا؟! يمكن لأي راغب بمعرفة ما كانت عليه الثورة السورية البحث عنها في محرك البحث جوجل وسيرى ما يدهشه حتما، قبل أن يتم أخذ القرار بعسكرة الثورة وأسلمتها وجرها إلى ملعب العنف والطائفية.
الحنين للأيام الأولى من الثورة السورية، الذي ظهر خلال الأيام الماضية أشعلته المظاهرات اللبنانية التي جاءت مفاجئة ومذهلة، إذ استعاد متظاهرو لبنان شعارات الثورة السورية وأغنياتها الملهمة، وحولوا ساحات لبنان إلى مهرجانات للفرح والرقص والموسيقى والحب والغضب والاحتجاج والثورة، ولم ينس متظاهرو لبنان دول الربيع العربي ولا سوريا، إذ جاءت هذه المظاهرات كما لو كانت امتدادا للربيع للعربي، من خلال الشعارات التي رددها اللبنانيون وهم يحيون شعوب الربيع العربي، وكانت الثورة السورية على رأس هذه الشعارات، وفي كل أنحاء لبنان.
أما ضرورة التذكير بما كانت عليه الثورة السورية فهو لإحقاق الحق في وجه المفصومين من السوريين الذين عبروا عن إعجابهم وترحيبهم بالثورة اللبنانية في الوقت الذي ما زالوا فيه يتحدثون عن الثورة السورية بوصفها مؤامرة للقضاء على سوريا، والحال أن شباب لبنان الثائر لم يرحب بهذا الفصام، وطالب أصحابه بضرورة الرؤية بعينين اثنتين لما يحدث، وبضرورة الانتباه إلى أن النظام الذي يطالبون بإسقاطه هو واحد في سوريا ولبنان، وأنه ما من بلد من البلدين سوف ينجو إن لم ينج البلد الآخر، إن شعار (كلهن يعني كلهن) يشمل النظام السوري وأعوانه في لبنان أيضا، وهو للحق وعي سياسي وتاريخي من شباب لبنان يستحق التقدير والاحترام.
على أنه رغم ما سببته مظاهرات لبنان من فرح للسوريين الذين شاركوا بالثورة السورية السلمية، فإن شعورا بالقهر أظن أنه انتابهم جميعا، وهم يرون عناصر الجيش اللبناني يتعاطفون مع الثائرين اللبنانيين، ويقفون بينهم وبين رجال الأمن وبلطجية وشبيحة المسؤولين، بينما كان الجيش السوري رأس حربة النظام ضد الشعب الثائر، وكان هو أداة القتل والإجرام والتدمير التي فتكت بسوريا والسوريين، فبينما ظهرت الجيوش العربية كلها تقريبا بوصفها ابنة شعوبها الحقيقية، ظهر الجيش السوري كما لو أنه ابن شعب سوريا غير الشرعي، كما لو أنه متبنى، لا من صلب الشعب السوري.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران