كتاب وأراء

كتابة تتألق بوهج الذكريات «1»

النظرة إلى تحولات الواقع السياسي في السودان وارتباط الحاضر بالماضي، تكشف عن معطيات مهمة.
إن العديد من الأجيال رافقت وعايشت وعملت بروح نضالية وطنية سلمية من أجل أن يتحقق واقع سياسي متوافق عليه يتيح أن يتم التنافس بين الأفكار التي تقدمها مختلف أطراف العمل السياسي الوطني؛ ليختار الشعب ممثليه في العملية السياسية المتكاملة عبر البرلمان وما يفضي إليه تشكيل البرلمان من اختيار القيادات التي تتولى مسؤولية الحكم.
الكثيرون يستعيدون بين الفينة والأخرى تجارب الواقع السياسي القديم، ليس المرحلة السياسية الماضية فقط (مرحلة الإنقاذ)، وإنما كافة مراحل التجربة السياسية الشاملة منذ أن استقل السودان في أول يناير من عام 1956.
حلقات الزمن الثلاث، الماضي والحاضر والمستقبل، تظل دوما بمثابة محور رئيسي لاهتمامات المحللين السياسيين. وفي هذا السياق استوقفني خبر مساء الاربعاء( 16 أكتوبر الجاري) لإشارة مهمة متعلقة بالزمن وحلقاته، وهنا ما تضمنه الخبر، بحسب ما أوردته عدة وكالات للأنباء، من إشارة مهمة نحو مستقبل السودان: أكدت بريطانيا، دعمها السودان من أجل تحقيق «التحول الديمقراطي..» جاء ذلك في رسالة تهنئة بعث بها رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، إلى نظيره السوداني عبدالله حمدوك.
واعتبر جونسون أن تولي حمدوك رئاسة الوزراء يعد خطوة مهمة نحو المستقبل، معربا عن إعجابه بـمثابرة الشعب السوداني، أملا في الحصول على مستقبل أفضل.
ان آمال المستقبل الزاهر في الواقع السوداني تتألق حاليا كنتيجة طبيعية لإنتصار مهم تحقق عبر إجماع شعبي واسع تمكن فيه الشعب بثورته الظافرة، من اسدال الستار على تجربة» ديكتاتورية الانقاذ«، وهي بالطبع كانت تجربة مرفوضة من اغلبية الشعب السوداني منذ يونيو 1989 حتى الحادي عشر من ابريل 2019.
إن تحديات عديدة تواجه مسيرة الشعب السوداني في حاضره الراهن، وهو يتطلع إلى تحقيق أغلى التطلعات العامة التي تمثل ما يريده الشعب.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن واقع العمل السياسي في السوداني قد عرف مرحلتين سابقتين تشابهان المرحلة الحالية، وأعني بذلك مرحلة ما بعد انتصار ثورة أكتوبر من عام 1964 ومرحلة ما بعد انتصار انتفاضة العشرة أيام في شهري مارس وأبريل من عام 1985، مما دعا السودانيين لربط تسمية تلك المرحلة بالشهرين معا، حيث أسميت الانتفاضة في ذلك العام بـ «انتفاضة مارس- أبريل»، حيث بدأت الانتفاضة في السادس والعشرين من مارس ليتوج النضال الوطني الشعبي المعبر عن الأغلبية في الواقع السياسي السوداني بالانتصار الكبير في صباح السبت السادس من إبريل من عام 1985.إن وثائق التاريخ التي وثقها الإعلام المقروء والمسموع والمرئي تتيح استكشاف ما رافق مرحلتي أكتوبر وأبريل من تحديات وما حمله الشعب من تطلعات كبيرة.
إن ما يمكن قوله عبر هذه التداعيات التلقائية عن واقع مراحل العمل السياسي الوطني بالسودان، أنه يجب إتاحة أوسع الفرص لتكريس الحوار السياسي عن الواقع في ظل احترام تام لأفكار الآخرين.
إن أزمنة الثورات -ليس في السودان فحسب، وإنما في كل العالم- شهدت المواجهات المستمرة بين مختلف القوى المتحركة في ساحات العمل السياسي.. وإن أهم ما يجب الحرص عليه هو أن يتكرس مجال كاف للحوار في ظل التمسك بالعمل السلمي والانتصار للأفكار بالمنطق والبعد عن أية نزعات للتآمر على مكتسبات الجماهير.
إنها نقاط تلقائية عبر خواطر سجلتها عن حراك الواقع السياسي الراهن في السودان.. نقاط ترتبط ببعض ما شهده جيلنا في عام 1985 من انتصار لإرادة الجماهير.
{ ( يتبع)
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي