كتاب وأراء

التشابه بين الشعبين وبين الحالتين لو كان العراق مستقرا «1»

ذات يوم، قبل ما يقارب العشر سنوات، أرسل لي صديق عراقي مقيم في بلد أوروبي يخبرني أنه قادم إلى دمشق وأنه يتمنى رؤية الأصدقاء خلال زيارته القصيرة، اتفقنا على موعد في مقهى الروضة الدمشقي الشهير، الكائن في شارع العابد في وسط دمشق. ذهبت في الموعد المحدد لأرى صديقي العراقي الأوروبي يجلس إلى طاولة في المقهى ومعه عشرة أشخاص،
انتبهت بعد وقت قصير أن جميع الموجودين كانوا عراقيين مقيمين في دمشق، كنت أعرف بعضهم كما كنت السورية الوحيدة على طاولة العراقيين، في مقهى الروضة الدمشقي الذي كان أكثر من نصف رواده، تلك الفترة، عراقيين، منهم من كان في سوريا منذ زمن بطش صدام حسين بمعارضيه من المثقفين والسياسيين، ومنهم من أتاها بعد سقوطه، إبان الاحتلال الأميركي لبغداد، وما لحقه من كوارث يومية على الشعب العراقي. دمشق تلك الفترة كانت إحدى المحطات الأساسية للعراقيين الهاربين من العراق، يقصدونها أولا، ويقيمون فيها ردحا من الزمن، قبل أن ينتقلوا إلى هجرتهم الثانية في دولة أوروبية ما، بعضهم اختار الإقامة الدائمة بدمشق، واضطر بعد ثورة 2011 إلى طلب الهجرة، وبعضهم بقي هناك في سوريا، لم يغادر رغم الحرب وأهوالها.
وكمثل السوريين، انقسم العراقيون المقيمون في دمشق بين مؤيد للنظام ومؤيد للثورة، وكمثلنا أيضا، حصلت القطيعة الكبرى بين المؤيدين والمعارضين، حتى أن بعض العراقيين ممن اختار الانحياز للنظام السوري صار يزايد على موقف المثقفين السوريين المعارضين للنظام. قبل عامين التقيت في معرض الكتاب ببيروت صديقا عراقيا كاتبا ومثقفا مقيما في دمشق، كان أول ما قاله لي حين التقينا: (خربتم ودمرتم البلد وهربتم)! لم أعرف بما أرد على هذا التنمر، أنا السورية المطرودة والممنوعة من دخول بلدها ورؤية عائلتها وأصدقائها، وهو العراقي الذي يقيم في دمشق ويخرج ويعود إليها بدون أية مشكلة، قلت له ساخرة يومها: (تركناها لكم واثقين أنكم ستتمكنون من إعمارها أنتم السوريون) وتركته ومضيت في حال سبيلي، كنت أنوي أن أقول له أن السوريين الذين يتهمهم بتدمير البلد هم الذين احتضنوه هو غيره ممن لجأ إلى سوريا، وأن ما فعله النظام السوري هو استثمار معارضي الأنظمة العربية لصالح سمعته التي تدمرت وظهرت على حقيقتها ما أن طالب السوريون بالإصلاح السياسي والاقتصادي في بدايات الحراك العربي، غير أنني كنت واثقة من أنه لن يستمع إلى قولي، إذ أن الإيديولوجية والعقيدة تعمي عن الحقائق أحيانا كثيرة، صديقي العراقي كان صاحب عقيدة ورؤية مؤطرة لا يمكن اختراقها.
والحال أن موقف صديقي العراقي، إن أردنا رؤية الجانب الإيجابي منه، هو دليل على شدة القرب بين العراقيين والسوريين، إذ أن تشابك الحدود وتداخلها بين سوريا والعراق في الشرق السوري، جعل هناك علاقة نسب وقربى بين السوريين والعراقيين، عدا عن التشابه المذهل في اللهجة والعادات والثقافة الشعبية، ليس غريبا أن المزاج الفني الطربي لدى الكثير من السوريين هو مزاج عراقي، وليس غريبا أن تعجب الغالبية من السوريين بالشعر الشعبي العراقي، إذ ثمة ميل تاريخي قديم للحزن والحنين لدى الشعبين، ربما يعود إلى تشابك الحضارتين السومرية والآشورية في قديم الزمن، وما مر على تاريخ المنطقة (بلاد الرافدين وبلاد الشام) من حروب ومآس ودم وقتل، وكأن هذه البلاد منذورة للموت والدم بكل مكوناتها الإثنية والدينية.
هذه العلاقة أيضا ربما كانت هي السبب في وقوف الغالبية العظمى من السوريين مع انتفاضة العراقيين الأخيرة، دون أسئلة أو شروط أو كلمة (لكن)، فالوجع هو نفسه لدى الشعبين، عقود طويلة من الاستبداد العسكري والأمني البعثي، لحقته فوضى عارمة وحروب يومية، وحكومات عميلة وفاسدة، وانقسامات مذهبية وإثنية.
{ (يتبع)
بقلم: رشا عمران

رشا عمران