كتاب وأراء

العــــراق.. ثورة الوجدان وإيران

ونحن نراقب حركة الكفاح العراقي المدني الجديد، مهم أن نتأمل بعمق ودون زخم عاطفي مضلل، آفاق المستقبل للكفاح الملهم في روحه الفدائية ووحدته الاجتماعية، وهذا التأني والمراجعة لا يقللان من حجم الرسالة الثورية التي مثّلتها روح الشباب النضالية، لأجل عراقٍ مدني حر، لم ينزعه التطلع المدني للنهضة من جذره العروبي، وهنا قضية عميقة للغاية تحدثنا عنها فكرياً، في أكثر من موضع.
فما أعنيه بدقة هو أن روح الهوية الجامعة لأبناء الشعب في العراق، وفي الوطن العربي، ليست أبداً معيقاً أو عنصر اضطراب لطموح النهضة الفكرية، ومؤسسات الدولة المدنية الحديثة، التي تخلق آفاق العدالة الاجتماعية لكل الشعب، وهذا كان لافتة الكفاح الأولى لوجدان الشاب العراقي.
كما أن هذه الروح الأخلاقية الفدائية، والتي لا نجزم اليوم بمستقبل نجاحها السياسي، لم تُقرأ مطلقاً كروح عنصرية ضد الإخوة الأكراد والتركمان، فضلا عن شركاء المسيرة العربية من الإخوة الآشوريين وغيرهم، فهنا العروبة المختلفة دافع كفاح للعراق الحر، وحلم أجياله في النهضة والحقوق الدستورية، وجامعة وطنية مهيئة حين النضوج لأفق دستوري يوحد أبناء العراق الكبير، هذا في فهم الرسالة الفكرية التي لم تدون كميثاق محرر، لكن كمبدأ يؤسس عليه.
فهذا التوحد الشعبي وخاصة بين أبناء الشيعة والسنة العرب، هو بالقطع مفاجأة للجميع، فاحتلال الوجدان العراقي من قبل الجمهورية الإيرانية، كان ولا يزال مركزاً لخطة الاحتلال المزدوج، ثم مركزاً توجيهياً معززاً بالقبضة الأمنية العسكرية والمخابراتية، التي خنقت العراق من شماله لجنوبه.
فكيف استطاع حراك سبتمبرالعراقي أن يهز كل هذه الهيمنة، رغم الأقفال الكبرى لحصار إنسان العراق، وقد جاءت هذه الموجة مستقلة عن مشروع النظام الرسمي الكريه، في الخليج العربي ومنفصلة كلياً عنه، وهو يعيش حالة الذل المتفاقمة أمام تقدم إيران في سوريا وفي اليمن، بعد أن استطاعت إيران أن تحتوي مجددا حراك الاحتجاجات المدنية داخلها، وأصبح الناطقون باسمها في لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، وصولاً إلى المغرب العربي، أكثر من الناطقين بالعربية عنها من الفرس.
وخاصةً بعد تقدم مشروعها المشترك مع تركيا، في جغرافيا المشرق العربي، وبسط الهيمنة على العراق وسوريا لصالحها، لتقاسم النفوذ مع أنقرة، نعم هناك جدل في تأثير الحرب الأخيرة، التي أعلنتها انقرة لتصفية ما تبقى من مقاتلين أكراد، ووضع إقليم شرق الفرات تحت نفوذها الأمني، لكن ذلك لا يعني أن اتفاق سوتشي قد نقض.
ما يعنينا هنا أن طهران دخل عليها سبتمبر2019، وهي في أوج تفوقها الجيوسياسي في الإقليم، فكيف انطلقت حركة الحرية العزلاء بين صفوف شباب العراق، في مواجهة الإمبراطورية الإقليمية الكبرى، التي تفاوض ترامب سراً.
إن المسألة هنا هي في تحديد مستقبل هذه الروح، ووحدة الوجدان، وليس نجاحه اليوم في فرض إرادة مستقلة لانتخابات حرة، تأتي على الأقل بتوازن مختلف لحكومة تكنوقراط، تضع مصالح العراقيين وأمنهم وتقدمهم وانقاذهم من الفساد رهن أعينها، فهل هذا تشاؤم أو واقعية؟ قناعتي هنا أن هذا المعيار واقعي جداً، بمعنى أن حراك سبتمبرودماء الشهداء الشباب ودموع السيدة العظيمة، الصامتة لسانا الناطقة روحاً، بين فلذات كبد العراق، تُفهم في هذا المسار، فثورة الوجدان على هذا القهر الطائفي والقومي هو مقدمة فقط، وهو ليس طائفيا بمعنى شيعة ضد السنة.
ولكنه بمعنى غطاء احتلالي صادر قرار العراق الحر، باسم مرجعيته الدينية، فسُخّر الدين المختطف مجدداً في مواجهة إرادة الشعب واستقلاله، فجاءت انتفاضة العراق الجديد روحاً ووجداناّ لتؤسس لما بعدها، فمن المهم ألا يُسرق هذا الوجدان، ولا يلقى به في مؤامرات العالم والإقليم، فهل ينجح الشباب في فهم فلسفة الكفاح؟.
عين الله ترعاكم.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل