كتاب وأراء

«11» أكتوبر تشرين الأول

في مثل هذا اليوم من العام 810م وُلد «فَرَج الحجّام»، والحجام لقب له لأنه كان ذائع الصيت ماهراً في الحجامة، يقصده الناس ليس من مدينته فقط، وإنما من المدن المجاورة!
ولكن شيئاً آخر غير براعته في الحجامة، هو ما دعاني لأكتب عنه، يُعتبر «فرج الحجام» أوَّل من أنشأ نظام الصفوف التي يقف فيها الناس منتظرين دورهم، بحيث لا يتخطّى أحد دور أحد، ولا يُظلم من حضرَ باكراً لحساب من حضر متأخراً!
يقول الجاحظ في كتاب الحيوان:
وكان أهل المِربد يقولون: لا نرى الإنصاف إلا في حانوت فرج الحجّام، لأنه كان لا يلتفتُ إلى من أعطاه الكثير دون من أعطاه القليل، ويُقدِّم الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى يأتي على آخرهم، على ذلك يأتيه من يأتيه، فكان المُؤخَّر لا يغضب ولا يشكو!
انتبه فرج الحجّام باكراً إلى أنه من المزعج جداً أن يأتي أحد بعدنا ثم يحصل على الخدمة قبلنا وينصرف، بينما نحن ما نزال ننتظر، فعَمَدَ إلى نظام الصَّف، لا يُحابي أحداً على حساب أحد!
مزعج جداً أن يتخطّاك الناس، أن تشعر في مكان ما أن الناس أولاد جارية وأولاد ست، وأنك ابن الجارية أو ابن البطة السوداء كما تقول جدتي. شخصياً أحكم على أخلاق الناس بهذه التفاصيل الصغيرة، بانتظارهم دورهم بكل أدب، بعدم تخطِّيهم للناس، وأشياء حياتية يومية أخرى، لا تهمني الشهادات ولا الثياب ولا المظاهر هذا لكَ وحدك يا عزيزي، أخلاقك وتعاملك هي التي لي، وهذا ما يهمني! الأدهى هم أولئك الذين يقولون لك بعد أن مللتَ من الانتظار: هل من الممكن أن أدخل قبلك لأني مستعجل؟! على أساس أنك سعيد بانتظارك ومُمَدَّد على شاطئ المالديف تنعم بالشمس وتشرب جوز الهند! كلنا لدينا مشاغل، فطوبى للنُّبلاء الذين حتى لو سنح لهم تخطي دورهم رفضوا، لأن المرء إنما يُسيء لنفسه قبل أن يُسيء للآخرين!
بقلم: أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي