كتاب وأراء

أول متسـابــق في التــاريـــخ يحافـــظ عــــــلى لقبه العـــالـمي في «الوثــب العــالــي»

«برشم» يحلق في «الفضاء» ..دون امتطاء المركبة الروسية «ســــــــويــــــــوز»

«برشم» يحلق في «الفضاء» ..دون امتطاء المركبة الروسية  «ســــــــويــــــــوز»

بعيدا عن مدار المركبة الروسية «سويوز إم إس 15»، حقق البطل القطري العالمي معتز برشم «قفزة فضائية» هائلة، في بطولة العالم السابعة عشرة لألعاب القوى، التي تختتم فعالياتها اليوم في قطر، على مضمار استاد خليفة الدولي، محققا الفوز بالميدالية الذهبية، في مسابقة «الوثب العالي» بارتفاع (2.37م) بعد تفوقه على المنافسين الروسيين ميخائي اكيمنكو (2.35) الفائز بالفضية، ومواطنه «ايليا ايفانيوك» (2.35)، الحاصل على الميدالية البرونزية بفارق المحاولات.
هنا في الدوحة، احتفظ «معتز برشم» ببطولة العالم، التي سبق له الفوز بها، في نسختها السادسة عشر، التي أقيــــمت فــي لندن 2017.
.. وها هي «كبسولته» الرياضية، ولا أقول الفضائية، تلتحم مجددا مع اللقب العالمي، في نسخته القطرية!
هنا في الدوحة، وضعت قطر بصمتها المميزة على سطح بطولة العالم لألعاب القوى، بقدمي ابنها البطل معتز برشم، المولود في العاصمة القطرية، في الرابع والعشرين من يونيو 1991.
هنا في ذلك المساء القطري، لم يكتف «معتز برشم»، بتأمل النجـــــــوم المعلقة في ســـماء قطــــر، لكــــنه أكــــد نجــــوميته الســـاطـــــعة فـــي فضاء المجد العالمي، وهو يقفز في مضمار خليفة الدولي.
.. ومنذ قفزة الأميركي «ريتشارد ديك فوسبيري» الشهيرة، عندما تخطى العارضة، مرتقيا على ظهره، في أولمبياد مكسيكو عام 1968، قالبا موازين الوثب العالي رأسا على عقب، محدثا نقلة جديدة في القفز الرياضي، ومعادلاته المتعارف عليها، وتقنياته المعتمدة، انفتحت اللعبة على زمن جديد، وفتحت أبوابها لنجم عالمي جديد، هو البطل القطري معتز برشم.
.. ومثلما أصبحت «قفزة فوسبيري» الشهيرة، مثالا على الابتكار، فإن «قفزة برشم»، تعد دليلا على الإصرار لبلوغ الهدف العالمي، وتحقيق الانتصار، على التحديات المحيطة، ولا أقول المحبطة.
.. ويكفي عودة البطل القطري القوية إلى الساحة الرياضية، بعد غيابه عن المنافسات، على مدار عام كامل تقريبا، بسبب إصابته بتمزق في أربطة الكاحل، استدعت خضوعه لعملية جراحية في يوليو 2018، واستوجبت غيابه أكثر من 3 أشهر، قبل أن تتفاقم إصابته، ويستمر غيابه حتى يونيو الماضي.
لكنه حقق عودة ناجحة، بعد تعافيه من الإصابة، باجتياز ارتفاع (2.27) في لقاء سوبوت البولندي، محرزا المركز الأول، قبل أن يحل ثانيا في لقاء لندن الماسي في شهر يوليو الماضي، مع قفزة بالرقم ذاته.
.. ولعل ما يميز قفزات «معتز برشم» العالية، ووثباته العالمية، أنه لا يستخدم صاروخا روسيا، للوصول إلى أهدافه، ولم يحقق بطولة العالم لألعاب القوى، عبر رحلة استعراضية، من الرحلات التي تنظمها وكالة الفضاء الروسية، المعروفة باسم «روسكوسموس»، لمن يرغب في امتطاء صهوة المجد الفضائي المدفوع الثمن!
لكن البطل القطري، برهن مجددا أنه قادر على تحدي الجاذبية الأرضية، التي اكتشف تطبيـــــقاتها الفيــــزيائــــية، العالم «إسحق نيوتن» (1643 - 1727)، بعد سقوط التفاحة الشهيرة على رأسه!
.. وها هو «معتز برشم»، المولود في الدوحة، يصنع تاريخا لنفسه، ولوطنه قطر، وثبة تلو أخرى، وليــــس قضمــــة تلو أخرى من «تفاحة نيوتن»، صاحب قوانين الجاذبية، الذي سيطرت نظرياته، على رؤية العلماء طيلة القرون الماضية.
.. وأستطيع القول، إن «معتز برشم»، الحاصل على لقب أفضل رياضي في العالم لعام 2017، قهر الجاذبية الأرضية، وأصبح «رائدا»، من رواد فضاءات مسابقات ألعاب القوى العالمية، دون الحاجة إلى امتطاء مركبة فضائية، ينقلها إلى مدارها صاروخ روسي، من طراز «سويوز اف جي»، الذي ينطلق نحو محطة الفضاء الدولية، من منصة الإطلاق، المخصصة في ميناء «بايكونور»، القابع في سهوب كازاخستان.
.. وها هو «برشم»، يطير في فضاء الوثب العالي، بقوة الدفع الذاتي، محققا عودة ناجحة، من الإصابة التي تعرض لها، متخطيا قواعد الفيزياء الحيوية للجسم البشري!
.. ورغم أن «عباس بن فرناس»، هو صاحب أول محاولة طيران في تاريخ البشرية، عندما حلق بأحلامه في سماء «قرطبة»، في أيام عهدها الأندلسي، في القرن التاسع الميلادي، لكن البطل القطري «معتز برشم»، أصبح أول متسابق، يحتفظ بلقبه العالمي، تواليا في «الوثب العالي».
.. وإذا كان الفوز ببطولة العالم، أمــــرا صعبا للغاية، فإن الاحتفاظ باللقب العالمي أصعب بكثير، ورغم هذه الصعوبة، أصبح معتز برشم أول رجل في تاريخ اللعبة، يدافع بنجاح عن لقبه العالمي، في مسابقة الوثب العالي.
.. ولا تشاركه في ذلك الإنجاز، إلا الكرواتية «بلانكا فلاسيتش» التي احتفظت بلقبها العالمي، بعد فوزها بالميدالية الذهبية في الوثب العالي، في بطولة العالم لألعاب القوى عام 2007 في أوساكا باليابان، إضافة إلى عام 2009 في برلين.
. ولا أنسى النجمة الروسية «ماريا لاسيتسكيني» التي صنعت تاريخا لها ولبلدها، بعدما أصبحت في الدوحة، أول رياضية في التاريخ، تحرز لقب بطولة العالم ثلاث مرات متتالية، في الوثب العالي، بعد فوزها الثلاثي المتوالي في بطولات 2015 في بكين، و2017 في لندن، إضافة إلى فوزها الأخيــــر في مونــــديال قطر 2019.
.. وبعيدا عن إنجاز الروسية «لاسيتسكيني» الثلاثي، تروي قصة «معتز برشم» مع النجاح، كيف تمكنت قطر، الدولة الصغيرة بمساحتها وتعدادها السكاني، من صناعة بطل عالمي، بفضل التخطيط السليم، والإعداد الجيد، واكتشاف المواهب، وصقلها وتأهيلها، في أكاديمية «اسباير» للتفوق الرياضي، دون الاستسلام للفوارق السكانية، مع القوى الرياضية العظمى، التي تصنع أبطال العالم.
.. والمتابع لنتائج البطل العالمي القطري «معتز برشم»، منذ اختياره الوثب العالي، يعلم جيدا أنه يملك موهبة فريدة، وخامة رياضة استثنائية، ومواصفات جسمانية، تؤهله للتربع على عرش هذه اللعبة، لسنوات ليصبح بطلا أسطوريا فيها.
..وما قفزاته العالمية، ووثباته الأولمبية، إلا دليل على ذلك، حيث لمع نجمه في «الوثب العالي»، بفضل قدراته، التي تتحدى نظام الجاذبية!
.. ومنذ فوزه ببطولة العالم للشباب عام 2010 في كندا، لم يتوقف سيل الميداليات، التي تعود الفوز بها، واعتاد على قطفها من أشجار البطولات العالمية.
.. وبالإضافة إلى ذهبيته الأخيرة، في نسخة بطولة العالم القطرية 2019، يملك «معتز برشم» في رصيده، ذهبية البطولة العالمية، في نسختها اللندنية 2017، إضافة إلى برونزية أولمبياد لندن 2012، وفضية النسخة البرازيلية من الأولمبياد 2016 في ريودي جانيرو، إلى جانب فوزه بالميدالية الفضية لبطولة العالم لألعاب القوى في موسكو 2013، عدا العديد من البطولات القارية والعربية.
.. ولعل ما يميز «معتز برشم» أنه صناعة قطرية مائة بالمائة، حيث لم يتم استيراده جاهزا من دولة أخرى، فقد ولد في قطر، ونشأ في قطر، واتجه منذ طفولته لممارسة «الوثب العالي»، في قطر، وأصبح بطلا عالميا في هذه اللعبة، من خلال قفزات قطرية، ارتقى بها نحو المنصات العالمية.
.. وها هو يتوج أداءه البطولي، بلا أخطاء، في بطولة العالم لألعاب القوى السابعة عشرة، المقامة في قطر، بقفزة عالمية عالية، بلغت (2.37م)، مؤكدا موهبته الاستثنائية في هذه اللعبة، حيث اعتاد جسمه الرشيق، أن ينثني فوق العارضة، بطريقة «برشمية» رائعة، تتحدى الطبيعة، وقوانين الجاذبية الأرضية!
.. وسرعان ما جذب هذا البطل العالمي القطري أنظار المتابعين في العالم، وأصبح مصدر فخر لوطنه قطر، في هذه اللعبة الصعبة، التي تتطلب مهارات خاصة، حيث يفترض في صاحبها، أن يحلق في سماء المنافسات الرياضية مثل «الشاهين»، ويقفز في رحاب الفضاءات برشاقة الحصان العربي الأصيل، ويصطاد البطولات بمهارة النمر العربي!
لقد وصل «معتز برشم»، إلى قمة رياضة «الوثب العالي»، وأصبح بطلا عالميا لها، ولم يكن مشواره مع البطولة تقليديا، بل كان مقلدا لوالده، العداء السابق عيسى برشم، الذي كان لا يشق له غبار في سباقات المشي.
.. ويبدو واضحا أنه استنسخ تجربة والده الرياضية، وأضاف عليها من مهاراته وموهبته، حيث كان الوالد يصطحبه إلى المضمار، عندما كان معتز «شبلا» صغيرا، ليتدرب معه، ومنذ ذلك الحين انجذب إلى ألعاب القوى.
.. ومنذ فوزه بأول ميدالية ذهبية، واصل البطل القطري تألقه العالمي، لينال الألقاب واحدا تلو الآخر، وأصبح اللاعب الثامن في تاريخ «الوثب العالي»، الذي يسجل ارتفاع (2.40م).
.. ويملك «معتز برشم»، ثاني أعلى قفزة في تاريخ البشرية، (2.43م)، بعد الكوبي الأسطورة «خافيير وستومايور»، حامل الرقم القياسي العالمي، المسجل باسمه، بتاريخ السابع والعشرين من يوليو 1993، في مدينة «سلامانكا» بإسبانيا.
.. وتقديرا لموهبة «معتز برشم»، وتطور مستواه الفني، لم يتردد صاحب الرقم القياسي العالمي، في ترشيح البطل القطري، لتحطيم رقمه الصامد لأكثر من ربع قرن.
.. ومثلما حقق الكوبي «سوتومايور» إنجازه العالمي، مسجلا رقمه القياسي، الذي لم يتم تحطيمه حتى الآن، كما نجح قبله الأميركي «ديك فوسبيري»، في دخول تاريخ «الوثب العالي»، بعدما ابتكر تقنية جديدة في القفز، ما زالت تحمل اسمه، عندما وثب وظهره إلى العارضة، في حين كان سائر المتسابقين يومها في العام 1968، يقفزون على بطونهم!
أستطيع القول، إن «الطريقة البرشمية»، التي يؤدي بها البطل القطري «معتز برشم» الوثب العالي، بتكنيكات سحرية ساحرة عبر تطبيقه الرائع تقنية «فوسبيري»، ستظل علامة فارقة، في سجلات بطولة العالم السابعة عشرة لألعاب القوى.
لقد انساب «برشم» بجسمه الرشيق فوق العــــارضة، مثل موجة قطرية، تتهادى على شاطئ الخليج، في مساء لا ينسى، من أمسيات أكتوبر 2019، داخلا فضاء التاريخ الرياضي من أوسع أبوابه، دون الحاجة إلى امتطاء مركبة روسية اسمها «سويوز» اشتهرت بقيامها برحلات «سياحية فضائية» مدفوعة الثمن!

أحمد علي

أحمد علي