كتاب وأراء

لقاء المهجة العطشى!

د.سعاد درير
أحلامنا!
أحلامنا الهاربة من مظلة القَدَر، ما كانت إلا لتَسمح لنا بأن نُبحر في محيط الأماني ونَصعد سُلَّم الرجاء وكلنا رغبة في إعادة ربط قلوبنا بحبل الحُبّ ذاك الذي يُشْقِينا أكثر مما يُرْضِينا..
إنه الحُبّ!
الحُبّ يُفَصِّلُ اللحظات على مقاس الأشواق الشقية تلك التي تمتصّ الأنفاس وتَبعث ما رقّ وشفّ من الإحساس..
أمَا قُلنا إنها لغة المشاعر؟!
عن المشاعر التي تُذيب الحجر ولا تَذوب، عن العيون التواقة شغفا وعن عواصف القلوب، يَكتب لنا الإذاعي عبد الله شقرون بنَفَس مسرحي يداعب الوجدان ويعيد الفرحة إلى الأحضان..
«طوق الحمامة» مسرحية رقيقة نَسجتها أنامِل الراحِل عبدالله شقرون بخيوط الإحساس التي يتوق إليها الذَّوَّاق من الناس..
غير أن ما على القارئ أن ينتبه إليه، هو أن المسرحية تَستمد مادتها من نص مُؤَلَّف قديم لابن حزم الأندلسي، ألا وهو «طوق الحمامة في الألفة والألاف»..
عن زمن الجواري والعبيد والأسياد، عن العز الأندلسي الذي باد، عن حضارة وتاريخ وأمجاد، ها هو يُمَسْرِحُ لنا عبد الله شقرون شيئا مِن الذي حدث، وكان، على امتداد مَحْكِيّ خِطابه المسرحي الذي يوزع حلوى الحُبّ بالمجان..
لغة الكاتب لغة شاعرية، لغة حالمة هِيَ، لغة تحلق بك في مَلَكُوت الأحاسيس والرِّقَّة والجمال والشغف بالمفردة مبنى ومعنى.. هي لغة تَسمو بك إلى أعالي سماء الحُبّ التي يَطيب فيها للقلب أن يُخاطب القلب..
عن «مرجانة» يَحكي الخِطاب، خِطاب المسرحية، يَحكي ليَجني الإعجاب، يحكي عن الجارية الحسناء التي صَيَّرَها حَظُّ العاطفة حُلمَ الذكور الباحثين عن اللذة العاطفية، تلك التي تتفجر فيها أنهار الحنان، لِمَ؟! لِيَينع وَردُ العشق في أكثر من ربوة وبستان..
مرجانة الفاتنة تلك المولوع بها أسياد الرجال، ها هي ذي تصبح عصية المنال، حين يحرمها الزمن من نبض قلبِ مَن كان يملكها، إنه سيدها ذاك المسمى هشام، قبل أن تطحنه رحى الزمن الذي ينقلب عليه فيسلبه ماله وجاهه ويلقي به إلى الرصيف..
أما العاشق الثاني لمرجانة، فهو سيدها إسماعيل، وإن كان هذا الأخير لا يحبها بأمانة، لماذا؟! لأن شواطئ الشهوة قد استدرجت إليها هذا الـ«إسماعيل»، قبل أن يفتح له القلب بابه بعيدا عن غيوم الرغبة..
للرغبة أحوال وتقلبات، أما الحُبّ، فليس أمامك إلا أن تتآكَلَ احتراقا بين يديه إن لم تُفلح في وضع مَن تُحِبّه في جيب قلبك..
لهذا عانى المسكين هشام، عانى هو بقوة وقسوة، وأكثر ما تألم له، هو أنه باع من تُصَفِّقُ لعينيها وقلبها كَفَّا روحه، ولمن باع؟! لذلك الذي لا يُثَمِّن في المرأة أكثر من زبد الشهوة التي لا تَعِد بإبحار..
هشام الذي أغمض عنه عينيه زمنُ الغنى والثراء، لم يجد غير أن يستجيب لفكرة بيع جاريته الحسناء، ولمن؟! لذاك الذي لا تسعفه الرغبة لحصاد سنابل الحب الممتلئة..
أما الـ«مرجانة» المخلصة لمشاعرها النابضة باسم سيدها هشام، فإن رغد عيشها في قصر إسماعيل لم ينجح في أن ينسيها ماضي الأيام، وأي أيام؟! إنها الأيام الجميلة، جمال عاطفة بريئة وصادقة علَّمَها فيها هشام أن تُحِبَّ بلهفة واستسلام..
مسحة من الشِّعر المنثور كأوراق الورد بين الصفحات أَلْهَبَتْ سطورَ الحوار المسرحي لِتُصَيِّرَ القارئ موجوعا، موجوعا إلى أبعد مدى، موجوعا حسرةً على رحيل زمن الحُبّ..
إنه الشِّعر الذي تفجر داخليا في لغة شخصيات مسكونة بالعشق، ولْنَنْظُرْ، ولنَنْظُرْ فقط إلى محمول المعجم العاطفي لنَلتقط مُوَجِّهات عملية التخاطب بين الشخصيات، خصوصا منها الشخصيات التي تتصبب حرارةَ إحساس ودفءَ مشاعر، مشاعر يَلعن غيابَها صاحبُ الحظ العاثر..
التضحية ونكران الذات والذوبان في الآخَر والانعتاق من أسر الأنانية وما إلى ذلك، هذه كلها عناوين عريضة تُلَقِّنُ القارئ أكثر من درس في الاستعداد للانغماس كليا في التلذذ بتجربة فن الحُبّ كما ينبغي أن يكون، لا كما هو كائن في زمن الخيانات بامتياز..
حُبّك الشيءَ طوق يُزَيِّن جيدَ الآخَر الحالم به القلب، وما الحمامة إلا عنوان للأنوثة والنبل العاطفي في ميزان القلوب، حتى تلك القلوب التي تُذيب ولا تَذوب..
سلاسة المقاطع الحوارية، وشِعرية اللغة، والأنفاس الهاربة مِن الفم، كل هذا وغيره يشجع القارئ ويرغِّبه بأَرْيَحِية في التسلل إلى عوالم المسرحية، وأكثر مِن هذا، فإنه يَعِدُه بالكثير من التشويق والإثارة على مدار شمس قصة حُبّ كابدَ أطرافها المرارة..
إنها لوعة الاحتراق واختناق الأشواق وتبدد الأمل في العناق.. ومتى وأين؟! بين قلوب رأتْ كُلَّ شيء ما أن تَلَبَّسَتْها روحُ الحُبّ، فأَقْسَمَتْ ألاَّ تَستجير بغير دِين القلب..
يُفتح الستار على رصدٍ ومسحٍ لجانب من تاريخ الأندلس، وهي تحت ضغط الفتن التي كادت تزج بأعناق كل مَن في وسعنا أن نَعدَّهم من طُلاَّب السلطة والمجد قريبا من الفتن التي تنتشر انتشار النار في الهشيم وتتصاعد تصاعد الدخان المنذِر باحتراق..
في ذروة هذه ألفِتَن تشتعل نيران أخرى صديقة، نيران هي تأكل القلوب الطامعة في انعتاق من قيد النوى وحبل الاشتياق..
هي يا صديقي قلوب يأكل بعضُها بعضَه في غياب مَن يَرحم قلبا أَحَبَّ وحنّ وأنّ، وما آن له أن يمجدّ جسرَ الوصال إلى نصفه الآخَر الذي يتصبب حبه له في قلبه وينثال..
ولأن لكل وعد أملا في لقاء مَهْمَا عزت المسافات وضاقت المساحات، فإنه من العدل أن يلتف الأحبة، ومِن الحكمة أن نَجد الخلاص لمن ما عادت تهون سيرة عشقهم «الحار» على الناس..
صراعات وتذبذبات وانكسارات وانتظارات وحالات نفسية تتخبط بين الحزن والوجد والجوى.. هذا وأكثر منه تَشهد عليه الصفحات والسطور، تلك التي ترسم للمحبين شفاها عذراء وأكثر مِن فم يَصمت صمت القبور، لكنه يَثور..
إنه موعد الحب يضربه لك الكاتب بقلبه ليُعيد الاعتبار لصرح العاطفة المنهار، إنه لقاء الْمُهْجَة العطشى بصاحب القلب المغوار ذاك الذي يوثر السقوط في البحر على أن يَترك لغير قلبه القرار..
لعيون قلبك يا صديقي ميزان، تماما كما للحُبّ لسان، وكلمة لا تَسقط، كلمة هي إذا خرجَتْ اِقْشَعَرَّ لها الجسدُ وترنح رقصا على حبال الشوق كما يرقص الفأر الغِرّ رقصة الانتصار لغير خيبة ذيله الثقيلة أوانَ وقوعه في مصيدة حَفّار قبره..

سعاد درير