كتاب وأراء

دور الإعلام في معالجة قضايا الإعاقة

تلعَبُ وسائل الإعلام الكلاسيكيَّة والجديدة أدوارًا كبيرة ومُتعاظِمة في التأثير على الجماهير العالميَّة، وتُعتبَر قضية الإعاقة من أهَمِّ الملفات الساخِنَة التي يجِب أن تهتَمّ بها هذه الوسائل لتنشُر التوعيَة والإخبار والتثقيف والمُساعدة والأمل الذي تحتاجُه هذه الفئة وبقيَّة الفئات في المجتمع. وفي الحقيقة الواقِع يُخبرنا أنَّ الأدوار الإعلاميَّة الجادَّة المبذولة في هذا الجانب خجولة جدًا ولا يخرُج أسلوب النشر عن هذه الفئة من الحالات التالية: أولًا: إعلام المناسبات، وهو الدورُ الذي تلعبهُ مختلف وسائل الإعلام أثناء الأحداث والمناسبات المحليَّة والدوليَّة التي تُعنى بالإعاقة، ثانيًا: إعلام التعتيم، وهو امتناع وسائل الإعلام عن تسليط الضوء على قضايا على قضايا هذه الفئة المهمَّة، وذلك على اعتبار أنَّهُم أقليَّة غير مهمَّة في المجتمع، الأمر الذي يزيد الهُوَّة ويُبعِد هدف دمج فئة ذوي الاحتياجات الخاصَّة في المجتمع، ثالثًا: إعلام التشويه، وهو تقديم وسائل الإعلام لصورة نمطيَّة سلبيَّة ومُشوهَة لفئة ذوي الإعاقة، خاصة في الوسائل المرئيَّة (السينما - التليفزيون - اليوتيوب.. إلخ)، فبعض الأعمال الدراميَّة تُظهر المُعاق على أنَّهُ عالة على أسرتِه ومجتمعِه وغير منتج ومتكئ على الآخرين، وأحيانًا تصِل وقاحَة بعض المواد الدراميَّة في أنَّها تُركِّز على إظهار هذه الفئة بشكل لا أخلاقي، فتصوره على أنَّهُ مهرِّج، أو لص أو كاذب أو مخرِّب أو حتى عضوًا في جماعة إرهابية. ففي دراسة قام بها معهد المعلوماتية للدراسات العليا بالعراق على صورة المعاقين في الإعلام، أظهرت النتائج التالي: أنهم أشخاص خطرون وأشرار، أشخاص عدائيون غاضبون، أشخاص مثيرون للشفقة والعطف، أشخاص منحرفون وشاذون، أشخاص عاجزون وغير مهرة، أشخاص مهرّجون ومضحكون، أشخاص سيئون حتى على أنفسهم، أشخاص معجزون وخارقون، أشخاص عالة على الآخرين.
قارئي العزيز، إنَّ الإعلام يُعتبرُ نمطًا هامًا وخطيرًا من أنماط الاتصالات التي تؤثِّرُ في توجيه اتجاهات الجماهير والحُشود العالميَّة على مختلف فئاتها ولُغاتها وأعمارها وحالاتها وظروفِها الخاصَّة، لذا تأتي أهميّة تفعيل دور التغطية الإعلاميَّة نحو النشر العادل والموضوعي لقضايا الإعاقة وتحدّياتها وآمالها وآلامِها، والتي يُمكنها أن تقوم بتكريس الصورة الذهنية الصحيحة لدى الجماهير عن هذه الفئة وما يدور حولها وعليها، فبحسَب الإحصاءات الجديدة فإنَّ أكثر من 15 % من سُكّان العالم يُعانون من إحدى الإعاقات الجسديَّة أو العقليَّة المُختلِفَة وترتفِع هذه النسبة لتُصبِح 20 % في الدول النامية، وهذه الإحصاءات في تزايُد كبير، ولأنَّ القضية كبيرة ومتشعبة، فإنَّ تضافر جهود كافَّة الجهات ولمؤسسات الحكوميَّة والخاصة مع الأجهزة الإعلاميَّة أمرٌ في غاية الأهميَّة، وذلك لتحقيق المردود الإنساني والاجتماعي المنشود.
وقبل أن تتضافر الجهود، ثمَّة عدد من الأمور الهامَّة التي يجب أن يضعُها القائم على الاتصال في وسائل الإعلام المختلفة؛ في عين الاعتبار منها التالي: أولًا: تُعتبر عملية تدريب الإعلاميين على كيفية التعامُل مع أرخبيل قضايا الإعاقة وإبرازها بالطريقة المناسبة عبر الوسيلة الإعلاميَّة؛ من أهمّ الخطوات الأساسية لخلق ثقافة تأثير وتأثُّر صحيحة مع هذه الفئة، ثانيًا: التأكيد على أهميَّة إشراك ذوي الإعاقة في إعداد وتطوير الرسائل الإعلاميَّة المختلفة التي تُبثّ عبر مختلف المنافِذ الإعلاميَّة الكلاسيكيَّة والجديدة، وذلك بهدف تحسين الأداء الإعلامي ورفع جودة الرسالة الإعلامية وتطويرها بشكلٍ يُحقق هدَف إظهار قدرات ذوي الإعاقة ودمجهم بطريقة محفِّزة وواقعية في المجتمع، إضافة إلى تكوين رأي عام إيجابي يزيدُ من توقُعات المجتمع من هذه الفئة العريضة في المجتمع، ثالثًا: التأكيد على عدم تأطير وسائل الإعلام المختلفة لذوي الإعاقة وإبرازهم بصورة الجبابرة أو كفئة مقهورة مدعاة للشفقة والإحسان، فالإعاقة تشكِّل مادّةً دسمة لصناعة الإعلام، وعلى صُناع المنتج الإعلامي إنشاء علاقة واعية وهادئة ومتوازنة ومؤثرة بين الإعاقة كقضية وحركة والإعلام كصناعة وفكر، ولا يُمكن تصور علاقة سليمة وتفاعلية بين قضية الإعاقة من جهة وبين وسائل الإعلام من جهة أخرى؛ إلا إذا عكست فكرًا حقوقيًا وتوجهًا تنمويًا إيجابيًا، رابعًا: الانتباه إلى لعبة المصطلحات، فمصطلح (معاق) على سبيل المثال ليس مشكلتُه في تركيبه أو في معناه اللغوي، فكُل المشكلة تكمُن في دلالته، أي كيف فهمه الناس؟ وكيف استقرّ في عقولهم؟ وبالتالي علينا كإعلاميين إتقان لعبة المصطلحات، وهذا يحتاجُ منّا أفرادًا ومؤسسات معنيَّة إلى بناء قدرات إعلامية حقيقية تُواكِب وتعمل وتستقصي عن كل ما هو مفيد وإيجابي لبيان الرؤيا ومعالجة الصعوبات وإزالة المعوِّقات والمشاكل في هذا الجانب بالتعاون مع الجهات المعنية وتحقيق هدف الدمج الواقعي لهذه الفئة في المجتمع.
وفي الختام وانطلاقًا من مفهوم العلاقة بين الصورة الذهنية وتكوين الرأي العام عبر وسائل الإعلام، فإن أهم ركائز النجاح تكمُن في تضافر الجهود من خلال التخطيط الجيد لبناء الصورة الذهنية الإيجابية والمساهمة في تغيير المفاهيم، فيجب عدم التوقُّف عند جانب أن هذه الفئة ذات حقوق وواجبات اعتبارية في المجتمع وحسب، بل التأكيد كذلك على حقهم في ممارسة حياتهم بشكل طبيعي وإشراكهم في التنمية.
{ إعلامية وباحثة أكاديمية - جامعة قطر
بقلم: خولة مرتضوي

خولة مرتضوي