كتاب وأراء

بيزنس العسكر.. شركة مساهمة مسلحة !

في مختلف العلاقات الإنسانية والخلافات بأنواعها، هناك قاعدة يمكن تصنيفها بالثابتة، وهي أن شهادة العدو والخصم في حقك ولصالحك تفوق شهادة الصديق والحليف في المصداقية والوقع والتأثير والتبعات، وبنفس القدر هجوم ونقد صديق وحليف الأمس أبلغ وأكبر وأعمق وأشد وأخطر من الخصم والعدو بمراحل، ويرجع هذا لأسباب عدة، أهمها على الإطلاق أن ما يمكن للصديق والحليف معرفته من الوقائع والأسرار في يوم واحد يتطلب جهدا شاقا ووقتا أطول من الخصم للوصول إلى بعضه.
وهنا مكمن الخطورة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بفضح وفتح ملفات اقتصادية وشبكات منافع ونفقات لعائلة الحاكم ومصالح وبيزنس ضخم لقادة عسكريين في دولة تتصدر تصريحات القائمين عليها عند أي مطالب فئوية أو متاعب شعبية نغمة الضيق والحاجة والحرمان.
ربما تكون دولة السيسي هي صاحبة السبق في صناعة مزيج متنافر تم تجنيسه عنوة جمع بين تصيد الأخطاء واجتزاء الأقوال والأفعال من سياقها ورمي الاتهامات جزافًا وبدون أدلة وفي جميع الاتجاهات، والهجوم والسخرية من الخصوم وقولبة الاتهامات وحصرها في فصيل وتوجه سياسي بعينه، بحيث يتم تصنيف أي معارض مهما كانت خلفيته أو دوافعه أو أفكاره وأهدافه عليه، وتجاوز لكل ممنوع وانتهاك لكل ما هو محرم، مع تحريض واضح ضد كل مخالف أو معارض للسلطة، ووصل بأحد سدنة إعلام النظام لمطالبة القوى الأمنية بالضرب في سويداء القلب في مستهل حكم الجنرال الدموي، وصولًا إلى استعمال وزيرة الهجرة في حكومته قبل عدة أسابيع لإشارة قطع الرقبة على الطريقة الداعشية لكل معارض للنظام، وسواء كانت مطالبات الأول مقصودة والثانية عفوية، ففي كلتا الحالتين تلك هي حقيقة النظام ومنهجيته، ومع كل هذا تجد في المقابل إعلام النظام وعماله وأعماله يعملون ويحاولون بشتى السبل رسم صورة تكاد تكون مثالية وملائكية لأركان النظام العسكري وتصديرهم في ثوب الزاهدين في السلطة والثروة وتصوير عبدالفتاح السيسي وكأنه المنقذ للوطن دون غيره وربطه والدولة في رباط واحد وثيق، بحيث من يحاول انتقاده أو معارضته أو كشف فساد عصبته هو عدو وخصم وخائن تستحل محرماته وشرفه وعرضه وحقوقه، وحتى دماؤه في مزيج متناقض لن تجد له مثيلا في كل الوجوه العسكرية للنظام منذ تأسيس دولة يوليو الجمهورية.
من ضمن الأسباب التي ساعدت نظام البلطجة العسكري وأدواته، بما فيها وفي مقدمتها إعلامه على التمادي في الهجوم والاتهامات هو استنكاف وامتناع الإعلام المعارض عن الانجرار والنزول لنفس المستوى اللاأخلاقي والبعيد كل البعد عن أبسط قواعد العمل السياسي والإعلامي وتعامل السلطة العسكرية مع كل الملفات الداخلية تقريبًا بمنطق «الغشيم المتعافي» الذي لا يوجد في جعبته إلا القوة والخشونة والقمع والتصفية المتعددة الأوجه جسديًا ومعنويًا، لكن يبدو أن النظام لم يضع في حساباته احتمالية خروج أي أحد من تحت عباءته ليهاجمه ويكشف بعض تفاصيل الفساد المستشري في أركانه ويبلغ من الهشاشة ما يجعله عاجزًا عن الرد على الاتهامات المتلاحقة التي وجهها رجل الأعمال والفنان «محمد علي» وكشف فيها بالتفاصيل والأسماء والأماكن عن مدى اتساع رقعة البيزنس العسكري وتغول الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مجال المقاولات والإنشاءات عبر مشاريع ضخمة غير ذات جدوى، تم إسنادها بالأمر المباشر ضمن صفقات تصب في جيوب الجنرالات أموالا طائلة من تحت الطاولة وتوسع السيسي في إنشاء القصور والفلل والاستراحات في مناطق مختلفة من الجمهورية دون حاجة حقيقية لها وتدخل أفراد عائلته في هذا الأمر.
وأتت تلك الاتهامات لتنزع ورقة التوت عن النظام بكافة شخوصه وأركانه وتنسف الصورة التي عمل الإعلام ومؤسسات الدولة على رسمها عن الدولة المستهدفة والموارد غير الكافية والأعداء المتربصين بها والترويج أن التقشف ورفع الدعم والارتفاع المتوالي للأسعار هي ضرورات المرحلة الحالية ليأتي سيل الفيديوهات من المقاول المنشق لتفضح زيف وكذب تلك الادعاءات.
وأن التصريحات المتوالية التي ما ترك الجنرال السيسي فرصة إلا واستغلها ليشرح فيها ويسترسل عن مدى فقر الدولة وقلة مواردها وحاجتها للفكة والتبرع ولو بجنيه وفاتورة القروض المستمرة اللازمة لنهضتها يقف خلفها صورة أخرى من الرفاهية والبذخ يعيشها الجنرال وعصبته العسكرية ومنتفعو النظام.
{ (يتبع)
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري