كتاب وأراء

أهرامات الفساد في مصر

انفجرت في مصر مؤخرا قضية التسريبات التي تعلقت بحجم الفساد الذي ينخر المؤسسة العسكرية وذلك بشهادة واحد ممن كانوا داخل منظومة السلطة نفسها. انتشرت التسريبات على منصات التواصل الاجتماعي بشكل كبير وغطت حتى على اغتيال نجل الرئيس المنتخب محمد مرسي في مخافر شرطة الانقلاب.
لم تكن أهمية التسريبات قائمة على ضخامتها لكنها استقت تلك الأهمية من طبيعة المصدر نفسه باعتباره جزءا من نظام الانقلاب نفسه وهو ما يمنحه شرعية لا يمتلكها غيره. فبقطع النظر عن فحوى التسريبات حول فساد الجيش المصري فإنه يؤكد مرة أخرى على أن العسكر في مصر هو دولة داخل الدولة أو بالأحرى هو الدولة الحقيقية ولا دولة غيره. فمنذ الانقلاب على الملكية الذي سمّيَ زورا بثورة الضباط الأحرار سيطر الجهاز العسكري على السلطة السياسية والاقتصادية وكذلك على المجتمع بشكل مطلق وهو الأمر الذي يتواصل إلى اليوم.
لكن القضية الأصلية لا تتمثل في فساد المؤسسة العسكرية وسيطرتها على الاقتصاد كله بل إن المشكلة تتجلى في تبعات هذه السيطرة على الدولة المصرية وعلى وزنها الدولي والإقليمي. لا شك أن أهم الأسباب التي تجعل من الجيش المصري ممسكا بالسلطة ومتشبثا بها هي ضخامة المصالح المالية والمنافع الاقتصادية التي تعود عليه وعلى المؤسسات التي تدور في فلكه والأفراد الذين يمسكون بخيوط اللعبة داخله. فبالإضافة إلى ملياري دولار التي يتلقاها الجيش المصري سنويا من الخزانة الأميركية فإن كل المشاريع الإنشائية الضخمة التي يتباهى بها إنما تعود أرباحها إلى ضباط المؤسسة وعائلاتهم منذ أكثر من نصف قرن من الزمان.
إن الفقر الذي تسبح فيه مصر منذ عقود إنما سببه هذا الفساد المستحكم في مفاصل الدولة وإدارتها بعد أن تم اختطاف السلطة والمؤسسات. وليس الفساد المالي والاقتصادي إلا الوجه الأبرز للاستبداد السياسي بل هو الأساس الذي عليه يقوم وبفضله يتمدد وينمو وهو الوسيلة التي تمنع كل أشكال التنمية أو النهضة. لقد قامت ثورة يناير من أجل المطالبة بالعدالة الاجتماعية في دولة تعتبر الأغنى في المشرق العربي لا بفضل مواردها الطبيعية فقط بل بفضل مواردها البشرية وموقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق.
هكذا يظهر أن الانقلاب على ثورة يناير واغتيال الرئيس الشرعي محمد مرسي ونجله من بعده إنما كان في الحقيقة انتصارا للفساد وشبكة الفاسدين على مطالب الإصلاح والنهضة. إنه انقلاب الفساد على الثورة التي كانت تهدد بإقامة دولة العدل وهو ما يجعل من معركة مصر الحقيقية معركة ضد الفساد والفاسدين وضد شبكات النهب المنظّم قبل كل شيء.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد