كتاب وأراء

كتابة عن «تحديات الانتقال» بالسودان

في توقيت التفكير في تحديات الفترة الانتقالية بالسودان، تتجمع أفكار ومشاعر عديدة في الذهن، من أجل ترجمتها إلى كلمات للتواصل مع القارئ.. هنا أكتب بتلقائية عن أهم التحديات في زمن الانتقال.. ويتذكر جيلنا في هذا التوقيت أنه عايش قبل سنوات طويلة تجربة انتقال لها طابعها الخاص.. هي تجربة الانتقال من الـ 16 سنة من حكم الرئيس الراحل نميري عبر ما عرف لدى المؤيدين لنميري بـ «ثورة مايو»، ولدى الشعب طيلة تلك المرحلة بانقلاب مايو.إنني أعتبر أن أهم تحد يواجه نخب الفكر والثقافة والإبداع والسياسة في السودان هو تحدي إرساء العدل وتطبيق معايير حقوق الإنسان ..إن هنالك هواجس متراكمة في الشارع السوداني محورها هو ضرورة إيلاء العناية الكبيرة لملف العدالة.
يعلمنا ديننا الحنيف ألا نأخذ الناس بالشبهات وألا يتم إفساح مجال لأصحاب أجندة خاصة بعيدة عن مفهوم العدل المطلق.
هنالك اعتقالات تمت مؤخرا ويرى المراقبون أن أهم التحديات تتمثل في إرساء أعلى قدر من الشفافية والاحتكام إلى القانون واحترام الوثيقة الدستورية ..إذا أرسيت الشفافية فيجب إعطاء إجابات سريعة وصريحة عن أسباب الاعتقالات المتكررة التي حدثت على مدى الشهور والأسابيع الأخيرة لقادة في الجيش ولضباط برتب مختلفة .. إن السؤال الأساسي في هذا الملف، يتمثل في أهمية التحلي بقيم العدالة . إذا تم التحلي بقيم العدالة التامة باتباع ما يأمر به الإسلام فينبغي أن تكون هنالك معطيات محددة في التعامل مع هذا الملف ..يجب مراجعة ما حدث من اعتقالات ولا ينبغي في عصر انتصار ثورة الشعب، وهو انتصار لا بد فيه من التوجه للحق عز وجل بالشكر لأجله.. لا ينبغي أن تكون هنالك نقاط معتمة أو غامضة في هذا الملف.. إن هنالك شبهات بكيد أو توجيه تهم دون أدلة أو الدخول في مسار تصفية حسابات .. وقد يكون هذا الأمر صحيحا أو قد لا يكون ....عموما فإن هذا الملف بما يكتسيه من أهمية كبيرة سيظل مفتوحا وستسعى الجهات الحادبة على العدل وحقوق الإنسان داخل السودان وخارجه نحو توضيح مجمل الحقائق بشأنه.. إن عهدا جديدا قد انتظم الساحة السودانية عبر تغيير شاركت فيه كل جموع الشعب بالداخل والخارج.. بناتٍ وبنين.. نساء ورجالا وشيبا وشبابا.. وحضرا وبوادي .. هذا التغيير الذي يستصحب فيه أهل الفكر والسياسة الكثير من معطيات تجارب التحولات عند منعطفات سياسية سابقة يجب أن تسود ساحاته كلها قيم الحق والعدل والاحسان..إن التمنيات لن تتوقف بأن يكتمل عقد نجاح ثورة الشعب التي علينا أن نصلي كثيرا ونسبح كثيرا ونحمد الحق عز وجل عليها كثيرا راجين صونها من أية احتمالات لـ «الردة» أو التراجع عن ما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يحقق إرادة الشعب.. حين يكتمل عقد النجاح والنصر العزيز والفتح المبين فستسود الساحات روح الإحساس بتحقيق العدالة .. إن السودان تاريخيا عايش مراحل شبيهة بمرحلة اليوم. في أكتوبر عام 1964 حدث التغيير الشهير متمثلا في ثورة أكتوبر التي تغنى بها شعراء كثر وصدحت بمفاهيمها أناشيد فنانين كثر.. لعل أشهرها نشيدا «أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق».. و «بإسمك الشعب انتصر .. حائط السجن انكسر» وهما نشيدا الراحل المقيم الفيتوري والشاعر الفذ محمد المكي إبراهيم .. إن الكلمات لا تنتهي حين نستذكر أكتوبر.. المهم أن أكتوبر تميزت بحكومة أسند فيها الأمر إلى شخصية مستقلة ، ثم حدثت انتخابات حرة نزيهة في ذلك العهد الديمقراطي ..وتواصل مسار التحول السياسي .. إلى أن أجهض لاحقا بإنقلاب نميري في مايو 1969.. أما تجربة انتقال السودان من عهد نميري إلى عهد الأحزاب وتجربتها في مارس – أبريل من عام 1985.. فقد شهد تتشكيل حكومة بعيدة عن الانتماء الحزبي لعام واحد ..ثم جرت انتخابات حرة ونزيهة أتت بالسيد الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي الجديد رئيسا للوزراء في 26 أبريل من عام 1986.
{ (يتبع)
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي