كتاب وأراء

المواطنة الكونية والتفـــوق العــرقي

لفت نظري قبل أيام إعلان في شوارع القاهرة عن نوع جديد من أنواع الهواتف الذكية، التي باتت جزءا رئيسيا من حياة البشر اليومية، ولم تعد مجرد رفاهية أو كمالية لا ضرورة لها، يقول الإعلان الذي كتب باللغة الإنجليزية بما معناه: «كن مواطنا عالميا»، أو «كن مواطنا من مواطني العالم»! بمعنى أن الهاتف الذكي بإمكانه أن يصلك بالعالم كله، وان يجعلك في قلبه وجزءا منه، لا مجرد فرد في بلد بعيد أو ناءٍ أو مجهول.
وبلا أدنى شك أن ثورة الاتصالات والتقنيات الحديثة حولت العالم إلى قرية صغيرة كما يقولون، لم يعد ثمة بشر معزولين في أمكنة منسية، أصبحت البشرية كلها جزءا من العالم الافتراضي الذي وفرته ثورة الاتصالات وتقنياتها، صرنا نعيش مع أحبابنا أينما كانوا وفي أي مكان على هذه الأرض لحظة بلحظة، حتى إذا ما التقيناهم وجها لوجه، نجد أن الشوق لهم لم يعد يحمل نفس اللهفة القديمة، نشتاقهم ونشتاق ضمهم حتما، لكنه الشوق لحضور الجسد البشري الأثير، لا ذلك الذي كان قبل ظهور العالم الافتراضي، حيث كان الشوق مركبا للرؤية والضم وسماع الأخبار والقرب وكل شيء، اليوم حتى الأمكنة التي يعيش فيها أحباؤنا صرنا نعرفها مترا مترا، رغم أننا لم نزرها يوما، العالم فعلا صار قرية صغيرة، والتقنيات الذكية حولت البشر إلى مواطنين عالميين تماما كما يقول الإعلان الذي رأيته.
ومع الأحداث التي عصفت بعالمنا العربي مؤخرا، والتي أدت إلى هجرة ولجوء ملايين العرب وشعوب دول العالم الثالث إلى العالم الغربي المتقدم، أصبحت فكرة المواطن الكوني فكرة واقعية وليست فقط افتراضية، فالسوريون مثلا، يعيشون حاليا في دول المهجر ويرتبون حيواتهم ومستقبل أبنائهم، مثلهم مثل مواطني تلك الدول الأصليين، كثر منهم سوف يحصلون، بعد حين، على جنسيات الدول التي يعيشون فيها، وسيكبر أولادهم وهم لا يعرفون عن موطنهم الأصلي سوى الذكريات المؤلمة التي شهدوها في طفولتهم الأولى، أو التي سمعوها عن بلدهم، وهي ذكريات تنحيها الذاكرة وتضعها في غياهبها، ضمن آلية دفاع نفسية ذاتية كي يتمكن الشخص من مواصلة حياته والتقدم بها دون أن يعيقه الألم الذي قد تحفزه الذاكرة القديمة.
ولكن هل هذا الانتقال والحصول على جنسية العالم المتقدم يجعل من السوري، مثلا، مواطنا غربيا حتى لو تعلم لغة البلد التي يعيش فيها وأتقنها تماما واستطاع الاندماج بالمجتع الغربي كما يجب؟! هل الجنسية واللغة تكفيان ليصبح المرء مواطنا لدولة ما؟! ربما فيما يخص الأوراق الرسمية والمعاملات الحكومية والتنقل والاحترام والحقوق والواجبات هو سوف يصبح مواطنا مثله مثل أي مواطن أصيل، لكن الوطن، الذي يشتق منه مصطلح المواطنة، شيء آخر تماما لا علاقة له فقط بالحقوق والواجبات، رغم ما لهذا الأمر من أهمية، خصوصا، كما قلنا للسوري، الذي ترفضه اليوم كل دول العالم، وتعتبر وثائق سفره سقط متاع، إن لم يتم التعامل معه بوصفه إرهابيا أو وباء يجب التخلص منه أو الابتعاد عنه! الوطن هو ذاكرة طويلة وتشابك علاقات تخلق تفاصيل يومية تتشكل منها شخصية كل منا، ليست فقط اللغة ما تفعل ذلك بل التراكم الاجتماعي ومنظومة العلاقات والعادات في البيئة التي نعيش فيها، ومنهج التفكير وتشابكه مع مجتمعاتنا الصغيرة والكبيرة، الوطن هو هذه الذاكرة الممتلئة بتفاصيل لا تمحوها أوراق رسمية محترمة وحقوق وواجبات، الوطن فعل نفسي بقدر ما هو صفة إجرائية، لهذا ربما نجد أن قلة من العرب تمكنوا من الاندماج الكامل مع المجتمعات الغربية رغم كونهم مواطنين في تلك المجتمعات، ثمة بعد نفسي ما يقف حائلا بينهم وبين الانتماء الكامل، يسببه أيضا منظومة العلاقات والذهنية الغربية التي تراكم فيها نتيجة، عقود من االسيطرة والاستعمار، شعور الاستعلاء تجاه شعوب العالم الثالث، والتفوق العرقي على باقي شعوب الأرض، وهو ما يشعر به الأوروبيون من أصل عربي جيدا، حتى منهم من ولدوا وكبروا وعاشوا في العالم الغربي، ولا يعرفون وطنا سواه.
العالم أصبح قرية صغيرة، ربما اقتصاديا وسياسيا وعلى مستوى المعرفة وتبادل المعلومات والاطلاع على تفاصيل الكون، والتنقل افتراضيا في أرجاء كوكبنا البشري، لكن عمليا، ما زالت البشرية تنقسم إلى طبقات ومجتمعات متقدمة وأخرى متخلفة، ومازالت خصائص أفراد هذه المجتمعات تطغى على محاولة عولمة الكوكب وتحويله إلى قرية صغيرة.

رشا عمران