كتاب وأراء

دموع ما بعد الطلاق

يمكن أن يكون بعضها دموع فرح، حينما يكون الطلاق انتصارا للمرأة بمواجهة قمع أو ظلم رجل، ولكن أغلبها ليس كذلك، غير أن الغريب أيضا أن المرأة الموريتانية، على وجه الخصوص، تستقبل الطلاق بحفل بهيج تدعو إليه صديقاتها وقريباتها، ولا تغني كغيرها من بعض العربيات الأخريات أغنية عبدالحليم حافظ: «خذ قلبي وراح... خذ أملي وراح... خذ نور أيامي.. خذ من أحلامي كل الأفراح»، كما أن بعض المطلقات العربيات يوفرن عددا لا بأس به من الفخاريات لتهشيمها بعد سماع خبر الطلاق واحتفالا به على الطريقة اليونانية.!
ولكن بعضهن يجهشن بالبكاء، ولا يوارين الحزن.
وقد سئلت من باحثة اجتماعية: لماذا تبكي المرأة عند الطلاق؟ وكان السؤال على طريقة اختبارات المرحلة الثانوية القديمة، فقلت لها متعجلا الإجابة: أتصور أن بكاء المرأة عند الطلاق يكون كبكاء الطفل الوليد عند خروجه للحياة، فالمرأة المطلقة والطفل الوليد يكونان في حالة استقبال أحوال وعوالم جديدة لم يألفاها، بل ويخشيان توابعها، ولهذا يستقبلان هذا المستجد الغريب بالبكاء، كما أظن أيضا أن المطلقة تبكي لأن شعاع الآمال والتمنيات والأحلام التي كانت قد بنتها من قبل قد انقطع، وأن الأحلام قد باءت بفشل ذريع، وهي لا تدري أنه سيمكن تجديد هذه الآمال في قادم الأيام من عدمه، كما أظن أيضا أنه ربما يكون سبب البكاء أن الطلاق في حد ذاته نوع من الإهدار وعدم الاعتراف بأنوثتها وأن رجلا لفظها، وألقى بها على قارعة الطريق، وهي التي كانت تظن ذات يوم استحالة حدوث هذه الدراما الداكنة، ثم إن المرأة المطلقة تبكي عند الطلاق رغم رغبتها السابقة فيه، لأن الطلاق انتقص من أسهمها في فرص الزواج، وأعاد إليها عذابات انتظار رجل يطرق الباب ثانية، فضلا عن نظرة بعض المجتمعات العربية الظالمة إلى المطلقة، وهي نظرة تضع جميع المطلقات في سلة واحدة وتحملهن المسؤولية في الطلاق، وأحيانا تحكم عليهن بحيز اجتماعي ضيق يبعث على الضجر والسقم، ولهذا فإن المطلقات لسْنَ منطلقات، وبعضهن ينضممن قسرا إلى معدلات العنوسة في المجتمع، لأن بعضهن يصبن بعقد نفسية مريرة من أول زواج، ولا يفكرن في تكرار التجربة، وبالخصوص المطلقات الأمهات اللواتي رزقن بأطفال خلال زواج لم يستمر، واللواتي يضطررن إلى عدم الزواج ثانية ويصرفن حياتهن على تربية الأبناء، فحينما تتحتم المقارنة لدى بعض الأمهات المطلقات بين «متطلبات الأنا» و«مقتضيات الأمومة» تنتصر الأمومة على كل ما عداها، ولكن رغم ذلك صدمت حينما عرفت أنه في إحدى المدارس الخاصة بمجتمع عربي لا يقبلن أطفال المطلقين على الإطلاق، وتشترط هذه المدارس أن يكون الأطفال في أسرة سعيدة لم تشب فيها نيران الطلاق، وأسباب هذه المدارس في ذلك يطول شرحها.
حبشي رشدي

حبشي رشدي