كتاب وأراء

جرينلاند ليست ألاسكا

غضب الدنماركيون كما لم يغضبوا من قبل لأن الرئيس الأميركي ترامب يعرض عليهم شراء جزيرة جرينلاند، فهبوا قائلين: أرضنا ليست للبيع، فلسنا فقراء كغيرنا حتى نفكر ببيع أي جزء من بلادنا، بل وحتى لو كنا فقراء، فلا يمكن لنا أن نبيع أي جزء من بلادنا.
حينما فكر الرئيس ترامب في هذه الفكرة، فإنه قد مر بخاطره بكل تأكيد سابقة مماثلة في التاريخ، فقد سبق لأميركا أن اشترت شبه جزيرة ألاسكا في صفقة عرفت في التاريخ باسم: «صفقة ألاسكا» اشترت بموجبها الولايات المتحدة الأميركية ولاية ألاسكا من الإمبراطورية الروسية عام 1867، بموجب معاهدة صدق عليها مجلس الشيوخ الأميركي، ووقعها الرئيس الأميركي الاسبق أندرو جونسون، ومن ثم أراد الرئيس ترامب أن يكون ثاني رئيس أميركي يشتري لبلاده أرضا من الجيران.
ولكن الرئيس ترامب صدم الدنماركيين بهذا العرض، وربما لم يتوقع أن تكون ردة فعلهم بهذه الحدة، رغم قوله ما معناه إن الجزيرة يغطي الجليد نحو 80 بالمائة من مساحتها، وتلحق أضرارًا اقتصادية بالغة بالدنمارك، وتخسّرها نحو 700 مليون دولار سنويًا، بينما من الناحية الاستراتيجية، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، سيكون مفيدًا الاستحصال عليها.
ولكن الدنماركيين يرون أن جرينلاند جزيرة غنية بالموارد القيمة كالمعادن النفيسة، وتتمتع بأنقى المياه والجليد والثروة السمكية وثمار البحر والطاقة المتجددة، وتشكل مقصدًا جديدًا لسياحة «المغامرات»، ومن ثم سيكون لهذه الجزيرة مستقبل باهر في عالم صار يشكو من ارتفاع درجات الحرارة، مما يفتح المجال واسعا لاستقبال مئات آلالاف من السياح الأوروبيين الهاربين من الاحترار المناخي الذي طال حتى القارة العجوز البيضاء ويتسبب في موت كثيرين لا يتحملون درجات الحرارة المرتفعة.
ولكن مشكلة العرض الأميركي تكمن في غياب القناعة بانه قد لا يوجد شعب على وجه الأرض يتقبل فكرة بيع حتى التراب الوطني، فما بالك ببيع جزء أصيل من أرض الوطن.
وهنا سنذكر بحادثة تناولتها صحف أوروبية قبل أيام قلائل، وتفاصيل هذه الحادثة أن زوجين فرنسيين قبض عليهما وهما يحملان 40 كيلوغراماً من رمل سردينيا الإيطالية في سيارتهما، وقد يقضيان عقوبة بالسجن قد تصل إلى ست سنوات في ظل ظروف مشددة، تتمثل في سرقة أحد أصول الأملاك العامة.
وقال الزوجان إنهما كانا يرغبان في أخذ الرمل إلى البيت باعتباره «تذكاراً»، ولم يدر في خلدهما أنهما ارتكبا جريمة. وتشتهر جزيرة سردينيا برملها الأبيض الذي يعتبر من أصول الأملاك العمومية، وتوجد قوانين صارمة بمنع نقله إلى خارج الجزيرة.
وإذا كانت سردينيا ترفض التفريط في حفنة من رمالها، فكيف إذن يتوقع من الدنمارك أن تفرط في جزيرة تصل مساحتها زهاء المليون كيلومتر مربع! فلا الدنمارك ولا غيرها تقبل بمثل هذه الصفقة الخاسرة.

حبشي رشدي