كتاب وأراء

مشــــاهــــد من كوكب الأرض

المشهد الأول: مجموعات بشرية أو ما تبقى من هذه المجموعات تلتحم بعضها ببعض، وفي ظنها أن التحامها سوف يحميها من الموت القادم على شكل صواريخ أو متفجرات أو قصف كيماوي أو بأي نوع من أنواع وسائل الموت والقتل التي اخترعها البشر في سعيهم الحثيث للسيطرة والتفوق وامتلاك القوة والسلطة ودفة قيادة العالم واقتصاده.
المشهد الثاني: مجموعات بشرية كبيرة تدير ظهرها لأوطانها الأصلية بعد أن أصبحت أثرا على عين، مجموعات بشرية كبيرة فقدت كل شيء، بيوتها وأراضيها ورزقها وماضيها وحاضرها ومستقبلها، تلتفت إلى الخلف في طريقها نحو المجهول فلا تجد غير الدخان والدمار وصوت الموت والقهر ورائحتهما.
المشهد الثالث: مجموعات بشرية تنضح من وجوهها ومن لغاتها الكراهية والحقد، تفتك بعضها ببعض، وكل منها تستدعي تواريخ من العنف والكراهية والبغضاء والحقد البشري، وتستخدم كل الوسائل المتاحة لها للقضاء التام على المجموعات الأخرى، وكأن تلك المجموعات ليست متشابهة، وكأنها لا تخضع كلها لمصير واحد، وكأنها جميعها تظن أنها مالكة للكوكب البشري وللأرض التي نعيش عليها ولمستقبلها الاقتصادي والاجتماعي.
ابحثوا عن الاقتصاد، السبب المباشر وراء كل الكوارث التي تحدث في عالمنا هذا، منذ بدء البشرية الكائن الحي يقتل للحصول على طعامه، غريزة البقاء تدفعه لذلك، لم يكن مدفوعا بالكراهية ولا بالحقد ولا برغبة السيطرة، تلك صفات ترسخت بفعل الوعي، غريزة البقاء سابقة للوعي، حيوانات الكوكب الأرضي أيضا تدفعها غريزة البقاء للقتل، جوعا أو خوفا فقط، لاشيء آخر.
المشهد الرابع: يمكننا أن نتخيل غرفا يجتمع فيها رجال ببزات سوداء وربطات عنق رمادية، يضعون في أفواههم أنواعا فاخرة من السيجار، ينفثون دخانه في الغرفة نفسها، بينما تحيط بهم شاشات ضخمة تبث مباشرة ما يحدث في أرجاء العالم، من حروب وقتل وصراعات وكراهية، يمكننا أن نسمع صوت ضحكاتهم وهم يتابعون كيف يفتك البشر بأنفسهم وبكوكبهم، بينما ترن هواتفهم المحمولة تخبرهم عن ارتفاع أرصدة شركاتهم في بنوك العالم، رجال لا ملامح تميزهم، خليط من العرق الأبيض والأسمر والأصفر والأسود، العالم بالنسبة لهم ليس سوى شركة خاصة، يحكمونه بما يتناسب مع أرباحهم بوصفهم المالكين، أما هذا الكوكب، فليذهب إلى الجحيم بكل ما فيه، طالما لا يقترب من الغرف التي يجلسون فيها.
المشهد الرابع: مجموعة من قرود الأمازون تلتف على بعضها البعض والخوف البادي في أعينها يتلف القلب، غابات الأمازون تحترق بكثافة مرعبة، لا يعني القرود ما يتناقله البشر من أن الأمازون هو رئة العالم، لقد فقدت تلك القرود موطنها، منازلها، وطنها يحترق، وبدل أن يسعى حكام العالم لإطفاء هذه الحرائق التي تسبب الرعب للجميع، يتهم كل منهم الآخر بأنه المتسبب في هذه الحرائق، بينما يحاول كل منهم الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية تمكنه من تسجيل اسمه في سجل المساهمين في القضاء على كوكب الأرض.
المشهد الخامس من الأمازون أيضا: حيوانات متنوعة تنظر بحزن مهيب إلى الغابات المحترقة والأشجار التي أصبحت فحما، هل تتخيلون ما الذي كان يمكن أن تقوله هذه الحيوانات لو أنها كانت ناطقة؟! بمن كانت ستستنجد؟! راقبوا الصور التي ملأت الميديا العالمية حاليا من الأمازون، وجوه الحيوانات توحي بالانكسار وليس فقط الرعب، فقدت قوتها أيضا، حين تفقد وطنك وبيتك وبيئتك الأولى ثمة ما ينكسر في داخلك، الروح ليست شيئا خاصا بالإنسان فقط، كوكبنا الأرضي يملك روحا تئن من هلع ما يفعله البشر، تبدو الحيوانات غير مصدقة لما يحدث، لنعترف جميعا: لا يوجد على كوكب الأرض من هو أشد سوءا من البشر، كل يوم يتأكد هذا في عالمنا الحديث.
كوكب الأرض في طريقه نحو الفناء، الاحتباس الحراري الذي يرفض حكام الأرض الاعتراف به ينذر بهذا، الحروب التي تعمل شركات السلاح ومافياته على تأجيجها في كل مكان تنذر بهذا، الكراهية التي باتت صفة البشر والتي تتغذى بمظلوميات قديمة وحديثة تنذر بهذا، الصراعات السياسية والاقتصادية واستعراض القوة واختراعات المزيد من الأسلحة والتبجح بالقوى العسكرية ينذر بهذا، كل ما يحدث في حياتنا ينذر بقرب فناء كوكب الأرض، ومن يفعل ذلك هو الإنسان.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران