كتاب وأراء

النظام الانقلابي تعمد استهداف النخب المؤثرة.. حديث المعتقلين «2»

الحقيقة المرة الواجب الاعتراف بها أن جميع الأطراف قوى إقليمية ودولية، عسكر ومعارضة، قد تمترست وكيّفت أوضاعها بناء على المعطيات الحالية، القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة والحليف الأوروبي لا يخدم مصالحهم تخلص السيسي ونظامه من عبء الملف الحقوقي، فكلما زادت أخطاؤه وجرائمه سهل السيطرة عليه حاليًا وتوافرت الذخيرة اللازمة للتخلص منه مستقبلًا لو لزم الأمر أو انتفت الحاجة إليه، النظام العسكري لا يوجد لديه ما يخسره أو يدفعه للتراجع، على العكس يمثل ملف المعتقلين بوضعه الحالي ورقة ضغط وكارتا رابحا يلوح به مهددًا الجميع، ونتحدث هنا عن مئات الآلاف من الأسر المصرية على المستوى الإنساني والاجتماعي وكافة الفصائل والأحزاب والحركات على المستوى السياسي والتنظيمي، ومخزون بشري متنوع الخلفيات والأيديولوجيات يستخدمه متى شاء لتسديد الخانات وتحمل مسؤولية الحوادث الإرهابية - حجة النظام الرئيسية للبقاء والقمع- متى تعذر إيجاد الجناة الحقيقيين في حال لم يكن النظام متواطئا في تلك الحوادث،
والمعارضة اكتفت بسبل المعارضة الإعلامية دون السياسية -المتعددة الوسائل والأهداف- وهي التي تمتلك لو أرادت ملفات يمكنها لو أحسنت وانتوت استغلالها التضييق على النظام وإظهار حقيقته وجعل المسؤولين المصريين في النظام الانقلابي عرضة للملاحقة والاعتقال في العديد من البلدان الغربية التي تسمح قوانينها بالنظر في القضايا خارج الحدود واستدعاء واعتقال المسؤولين عنها لو لزم الأمر - حال كانت موجودا، بصفته الشخصية أو ترك منصبه الرسمي- وأبرزها القضاء البريطاني على سبيل المثال لا الحصر، وفي نفس الوقت إحراج الحكومات الغربية ودفعها مكرهة للضغط على حليفها الانقلابي.
تبقى هناك عدة نقاط وجوانب هامة في ملف المعتقلين، أهمها أن النظام الانقلابي لم يقم باختيارهم اعتباطيًا في المراحل الأولى من الانقلاب العسكري، على الأقل فقد تعمد استهداف النخب المؤثرة والعقول المفكرة والشخصيات القادرة على التحرك والتأثير ومن أجيال مختلفة ووضعها تحت ضغط رهيب من شأنه الفت في عزيمة الكبار وتشتيت القيادات لاختلاف الرؤى بين من هم في الداخل والخارج، ودفع متوسطي الأعمار والشباب الصغار نحو خيارات محدودة لو استمر الوضع بنفس الوتيرة، فإما أن يفقد الثقة في القيادات والنخب والسياسة برمتها عندما يرى السنين تمر ولا تغيير ولو طفيفا يطرأ على أوضاعهم، وإما التوجه نحو التطرف والراديكالية لو تم تفسير عدم القدرة على التغيير كنتيجة للنهج السلمي في المعارضة للانقلاب العسكري، وإما الإلحاد بشتى صنوفه، سواء كان سياسيًا أو دينيًا أوفكريًا، فالعوامل الثلاثة هي التي تم اعتقالهم بسببها، وفي كل الاحتمالات، فقد ضمن العسكر تجريف الدولة المصرية من نسبة لا بأس بها من العقول والكفاءات بما يضمن تفوق العنصر العسكري لسنوات قادمة.
لا يشكل فارقا مؤثرا أن تكون الرسائل المسربة من المعتقلين هي رسائلهم حقًا أم تم توجيهها بمعرفة السلطات العسكرية فما يرد فيها مهما كانت مأساويته وبشاعته لن يشرح ما يحدث على أرض الواقع، فالصورة الواحدة أبلغ من ألف كلمة وما يتم رصده من فظائع منذ وقوع الانقلاب إلى يومنا هذا وما تم بثه على الشاشات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي كفيل بأن يشيب له الوليد، لكنها وضعت الجميع أمام الحقيقة المجردة أن القوى السياسية المعارضة بكافة أطيافها قد فشلت حتى اللحظة في التعامل مع الملف الحقوقي بما يستحقه، وأنها عجزت بالفعل عن الاتفاق على حتمية تناسي الخلافات في ما يخص المعتقلين في ظل نظام لا يفرق بينهم في وحشية التعامل وانتهاك كافة حقوقهم، ولن يجني المعتقلون أي فائدة تذكر من إلقاء كل فصيل سياسي المسؤولية على الآخر، فالجميع مسؤولون مع تفاوت الدرجات واختلاف التوجهات، المعتقلون شتى والخصم واحد، وهذا هو بيت القصيد في حديث المعتقلين أن لا خلاص لمن هو في الداخل أو في الخارج - من القابضين على جمر الثورة - ما دمتم عاجزين عن توحيد صفوفكم وجهودكم وانشغلتم ببعضكم عن بعضكم وخصمكم العسكري يسعده ويمد بقاءه هذا الخلاف والاختلاف، فهل أتاكم حديث المعتقلين واستوعبتموه.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري