كتاب وأراء

الحصار النفسي ومقصّ المصالَحة!

بين الفينة والأخرى، أَتَحَسَّسُكَ يا صديقي تُقاوِمُ حصارا قَلَّما يَقف عنده المرءُ، إنه حصار أَبْعَد ما يَكون عن الحصارين الاقتصادي والعسكري، لأنه ببساطة يُخاطِبُ الجانبَ النفسي ويَمتَصُّ ضَوءَه..
نَتحدثُ اليوم عن الحصار النفسي ذاك الذي لا يَسلم منه طفل ولا امرأة ولا شيخ، هو حِصار يَتفاعل بشكل قوي مع الجوانب الوِجدانية والعاطفية في نفس الإنسان، مما يَجعله مُقَيَّداً دون أن يَجِدَ هو المسكين خَلاصا لِقَيده ذاك الذي يُدمي رُوحَه..
إنها الروح التائهة والممزَّقة بين الحرمان والخذلان، فلا رغباتها تَتحقق، ولا آمالها تَقِف على أرضية صلبة تَحول دُون تَداعيها وتَبَدُّدِها كما يَتَبَدَّد ما يُكْتَبُ على الرِّمال البَكْمَاء مع أول عاصفة تَطرق بابَ الصحراء..
كَمْ مِن طفل يَنشأ بين ذَوِيه ولا يَقوى على قول «لا»! كَمِ مِن طفل في بيتك لا يُخَيَّرُ بين «لا» و«نَعَم»! كَمْ مِن طفل يَخونه لسانُه عجزا عن التعبير عن رأيه أو خَوفا مِن مصارحةِ مَن يهمهم أمرُه خَشْيَةَ أنْ تُجِيبَه العَصا ولا يُجيبه ألفَمُ! والنتيجة لا تَخرج عن شخصية مُهْتَزَّة ونَفْس مريضة يُطَوِّقُ ذِراعَيْها الجُبْنُ بشكل يُلقي بها في بِئْرِ الانطوائية..
كَمْ مِن شيخ أو عجوز لا تُحْتَرَم رغبتُه في الإنصات له، كأنكَ تَتَعَمَّد ألاَّ تَجِدَ له دقائق تُخَصِّصها له ضِمن برنامجك اليومي، وكأنَّ الشيخ ذاك قد انْتَهَتْ صلاحيته فما عاد يَهتمّ لأمره أَحَد! والنتيجة إصابتُه باكتئاب حادّ يَجعله يَذبل كالوردة الزاهدة فيها إلىَدُ على امتداد مواسم القطف، تَدوم خلوة الشيخ النفسية بعد حِصار فُرِضَ عليه فرضا وكأنه يُعاقَبُ على بَقائه حَيّاً، فلا مَن يَأبه له ولا مَن يَسأل عنه وكأن كُلّ هَمّ الإنسان أَكْلٌ وشرب ونوم متقطع وحَفَّاظات صحية..
كَمْ مِن امرأة أو فتاة تُعاقَبُ عقابا نفسيا لا تُطيقه رُوحها الأكثر قابلية للكسر مِن قطعة الزجاج الشفافة، هذه القطعة تَتَشَظَّى تحت وطأة الحصار النفسي إلى الدرجة التي قد تَتَهَوَّر فيها بعضُ الأوساط المحافظة، إلى درجة اعتبار سَفَرها مثلا بدون حارس مِن ذكور القبيلة أو تأخرها في العودة إلى البيت جريمة إن لم تكن خطيئة، مما يَستدعي حُكْماً قَبَليا يُذَكِّرُ بالفُتوحات القَبَلِية البائدة والاجتهادات العَمياء التي لا تنِمّ إلاَّ عن جَهل..
مشكلة الإنسان العربي اليوم هي أنه لا يَعرف كيف يُخْلِص للمنظومة الإسلامية بعيدا عن التَّسَرْبُل بِسِرْبَال العقلية الغربية، والنتيجة أنَّ ما تُمْلِيه الرؤية الغربية الأجنبية لا يَتَّفِق مع الْمُعْطَيات الإسلامية..
إنها حالةٌ أَقْرَب إلى انفصام في الشخصية، لأن الإنسان العربي يَعزف على أوتار مقولة «ما لا يُدْرَك كُلُّه لا يُتْرَك كلُّه»، بالتالي يَضيع صبرُه بين الإعجاب بنمط الشخصية الغربية وعدم القدرة على العيش في جلباب أبيه (المنطق الإسلامي)..
لِنُحاوِلْ أنْ نَعقد المصالَحةَ مع نُفوسنا أَوَّلاً!
نافِذَةُ الرُّوح:
- «أَقْراطُ الحُرية أَغْلَى مِن كُلّ الذَّهَب».
- «أَعِرْنِي مظلَّةَ صمتِكَ لِأَعْبُرَ ليلَ السُّفَهاء وأُرَتِّبَ شيئا مِن فَوْضَى الأَفْوَاه».
- «بَيْنَ ابتسامةٍ وغَمَّازَتَين دمعةٌ تُعَلِّمُ العيون دَرْسَ الخِذلان».
- «إنْ شِئْتَ اعْفُ عنه يا قَدَرِي، وإنْ شئتَ دَأوِ إلىَدَ التي تَصفعني به».
- «قصيدةُ دموعٍ تَحْمِلُها عَرَبَةُ أيَّامي، قصيدة رَوِيُّها الحنينُ وقافيتُها الوجع».
- «هذا فَمي يُعْلِنُ الثورة، وهذه الثَّرْوَةُ أصابعي، فإمَّا الموت.. وإمَّا اللاحياة».
- «كُنْ صَديقي يا مَطَرَ الليل».
بقلم: سعاد درير

سعاد درير