كتاب وأراء

لغتا بونابرت وشكسبير

مشكلتي مع اللغة الفرنسية تعزى إلى أول من درسني هذه اللغة كلغة أجنبية ثانية في أول المرحلة الثانوية، فالرجل، سامحه الله، كان ينطق كل مفردة بشفتيه الغليظتين مصحوبة بكمية من الرزاز، ولسوء حظي أنني كنت أجلس في وسط الصف الأول مما كرهني و«قرفني» في تعلم هذه اللغة، ولهذا كان السقف الأعلى بالنسبة لي ألا أرسب في الفرنسية، وفقط أحصل على أدنى معدل للنجاح، ولم تتعدل لدي الصورة المهزوزة إلا حينما زرت باريس مرتين، خلال الذهاب إلى والإياب من الجزائر الشقيقة، فوقتئذ لم يكن هناك طيران مباشر من الخليج إلى الجزائر، وكان لا بد من التوقف في فرنسا ذهابا وعودة، مما أتاح لي التعرف بسرعة خلال نحو عشرة أيام «مدة الزيارتين لباريس»، على بعض معالم وجمال هذا البلد الرائع.
أتفهم انتفاضة وزير الثقافة الفرنسي دفاعا عن لغة بلاده، فالمشكلة لم تعد فقط تقلص أعداد الناطقين بلغة نابليون بونابرت في العالم، ولكن في الغزو الإنجليزي اللغوي لعقر دار «الفرنسية» حتى أن الفرنسيين أنفسهم رحب لسانهم بلغة شكسبير على حساب لغتهم، وصار بعض منهم، وهو «بعض» يتزايد يوما بعد آخر، يتحدث الإنجليزية، ويجد غبطة في نطقها بطلاقة، ولهذا انتفض وزير الثقافة الفرنسية بشيء من الغضب على هذا الحال الذي يعكس ما يعكسه من تراجع للتأثير الثقافي الفرنسي، على عكس ما ظلت تسعى إليه فرنسا في كل مستعمراتها السابقة منذ القديم، من وضع شبه قسري للغة الفرنسية على اللسنة الشعوب التي استعمرتها فرنسا، ومدارس الليسيه والفرير الفرنسية شاهد على ذلك، ونشاط منظمة الدول الفرانكفونية للدول الناطقة بالفرنسية دليل آخر على اعتزاز الفرنسيين جدا بلغتهم، ولهذا فهم لا يستحسنون ممن يزور بلادهم أن يحدثهم بلغة أخرى غير لغتهم في المطاعم والمقاهي والمعارض، فما بال الحال لو أن بعض الفرنسيين أنفسهم صاروا يتحدثون الإنجليزية، ولو بمفردات مرتبكة أو على استحياء، وكيف الحال لو سمع الفرنسيون رئيسهم ماكرون يتحدث مع بعض ضيوفه بالإنجليزية وليس الفرنسية! ولهذا صرخ وزير الثقافة الفرنسي فرانك ريستير في أبناء وطنه مطالبا الحد من استخدام مفردات اللغة الإنجليزية في كلامهم.
ولكل ذلك لن تجد الفرنسيين سعداء بالجدل الحاصل في الجزائر الشقيقة منذ سنوات قلائل حول الاتجاه إلى اعتماد الإنجليزية لغة أجنبية أولى بدلا من الفرنسية. وعلى العكس من الوزير الفرنسي الذي انتفض لصالح لغة بلاده، كانت في الجزائر الشقيقة وزيرة للتربية تنتفض مطالبة بجعل الإنجليزية اللغة الأجنبية الأولى في الجزائر بدلا من الفرنسية.
لغة شكسبير تزحف ونابليون ينسحب حتى من أفواه الجيران، ماذا سيحدث؟ وما الدلالات والتوالي وردود الأفعال؟؟
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي