كتاب وأراء

ستائر الحكمة المنفلتة !

د. سعاد درير
في حياة كل منا مَثَل أعلى يَليق بأن يَكون مُشَرِّفاً له حتى يُصيِّرَه ضالتَه تلك التي يقتدي بها ويَمضي على خطواتها، من ثمة لا تتعثر قدماه في طريق الحياة، كما لا تَجِد ريحُ السقوط المدخلَ الذي يمكن أن تستدرجه إليها منه، فلا البابُ يُوارَب، ولا النافذة تنحني مستجيبة لرغبة جامحة في انفتاح..
لكن كثيرا ما يفتقد المرءُ القدوة، ولهذا تَجِده غالبا يَحذو حَذْوَ من هو نفسه في حاجة إلى مَثل أعلى، مَثل يُعلمه الصحيح والخطأ، وبالْمِثل يَقوده إلى ما يُعفيه مِن السقوط في مفترق طرق الحق والواجب..
لهذا اجتهد الْكُتَّاب ورِجال القَلَم الذي يَخطون فلسفة رؤاهم بحبر القلب الذي لا يَجِد من العناء أن يُفكر في الآخَر، وفي مقدمة عينات هذا الآخَر تَأتي الأجيال الصاعدة تلك التي يَضرب لها القَدَر موعدا مع التربية، التربية على القِيَم قبل التربية على الثقافة..
هل مِن ضربة الحظ أم مِن اجتهاد المصادَفة أن تتسلل إلى قبة التعليم الثانوي المغربي أنفاس متنٍ حكائي قطري تَضوع ضوعَ قارورة عِطر آتٍ على جناح المثاقَفة مِن قلب جمهورية أفلاطون؟!
إنه يا صديقي موعِد يَضربه لنا مقصّ الحكي مع ستائر الحكمة المنفلتة عن المتسابقين سِباقا ماراطونيا على طريق الحياة، ومتى؟! لِنَقُلْ مِن أَلِف الاستفاقة إلى ياء السّبات..
أمّا صاحبنا، هذا الذي يستعرض مهارته في الاستسلام لغواية القصّ باحترافية الْمُرَبّي الغيور على مَن هُمْ في طور التنشئة، فلن يَكون غير الأديب القطري أحمد عبد الملك ابن الدوحة التَّوَّاق إلى الانفتاح على آفاق خطة تغيير رؤيوية للمجتمعات العربية شريطة الاهتداء بمسطرة القانون السماوي ذاك الذي يُسَطِّر بنود ما يَجِب وما لا يَجوز..
الدكتور أحمد عبد الملك يَنصب خيمة المثالية على بعد أنفاس مِن «بذور الصحراء»، ومن ثمة يؤسس النموذجَ الجدير بأن يُحتَذَى، وهو أهل لذاك..
وقريبا من أرصفة المدنية الضاربة بسلوكها في مرافئ الحضارة، ها هو أحمد عبد الملك يَفِي بوعده لقارئه المنتظَر ذاك الذي يَصْبُو إلى مُنْجَزٍ سردي يَرقى إلى أن يَكون أعزَّ ما يُطْلَب في زمن يَتَصَبَّب شوقا إلى حصاد شيء من التربية الاجتماعية..
هذا الْمُنْجَز القصصي ذو بُعْدٍ توعوي، تربوي، توجيهي، وأكثر مِن ذلك يَحرص كُلّ الحرص على ترسيخ قِيَم المواطَنة الصالحة وسائر القيم التي يَنصّ عليها الدين وسِواها في المجتمع الذي يَستحق أن يُضْرَبَ به الْمَثَل..
إنها دروس في حُبّ الحياة، بالشكل الذي ينبغي، ها هي تتحدث عن نفسِها.. وإنها قواعد عِشق النظام، كما ينبغي أن يَكون، هي القواعد هذه تُمْلِي عليك ما يَجِب أن يَكون..
- الرياضة الدينية:
شيء جميل أن يكون أول ما يستهل به السارد أحمد عبد الملك نصه هو التذكير بواجباتنا الدينية تلك التي مَهْما كبرَ الإنسان يظل في حاجة ماسة إلى أن ينحني لها إعجابا وعملا بها حتى لا تَفُوته قاطرة الأجر والثواب أو يستحق موعدا مع العقاب..
إنه العقاب الإلهي الأكبر مِن أن يتحمله جسد واهن تمّ تنويم روحه بِفعل فاعل شيطان أنساه البناءَ للآخِرة، فعَدّه مولاه مِن العميان، ومَن هُم؟! ليسوا بالتأكيد غير أولئك الذين أَلْهَاهُم متاع الدنيا..
أوليست تلك هي الدنيا نفسها التي لم يُشْقِ الكاتبَ الذائع الصيت خليجيا أن يُذَكِّرَ بمرحليتها وهو يَعمل على حملة تطهيرية لا تَخرج عن اغتسال من الداخل يُرَسِّخ أولويةَ الاجتهاد للقاء الخالق جَلَّ شأنه وعلا؟!:
«نهض من نومه، وغسل وجهه من آثار النعاس.. وصلى لله حمدا وشكرا» (أحمد عبد الملك).
ولنقف هنا عند حتمية أداء الواجب الديني متمظهرا في صورة الصلاة كما ورد في نص السارد:
فهل هو مجرد التحسيس بواجب صباحي يَفرضه موعدك المبَكِّر مع الصلاة؟!
أم هو دعوة لحياة ثانية لا غرابة أن تَتَنَسَّمَ فيها يا صديقي عبقَ الذوبان في نشوة الإحساس بالسعادة وأنتَ تفتح شُرفات يومك على ملكوت منه يتسلل إليك نسيم الجنة بقدر ما تُلِحّ في طَرْق باب الله حمدا وشكرا له هو الذي يقول في كتابه العزيز: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» (سورة ابراهيم، من الآية: 7)؟ !
- التربية الأُسَرِية:
لننظر الآن إلى المعجم الذي استخدمه أحمد عبد الملك وهو بصدد تمرير رسائل نصية تَحثّ على احترام العلاقات الأُسَرِية:
«بادل زوجته أحلى الكلمات» (أحمد عبد الملك، سلوك مدني).
«داعب أطفاله أجمل مداعبة» (أحمد عبد الملك).
«وصل إلى منزله.. وترك كل هموم العمل» (أحمد عبد الملك).
«في المساء صاحبَ عائلَته في جولة» (أحمد عبد الملك).
«بدأ بالحديث اللطيف مع أسرته» (أحمد عبد الملك).
إنه المعجم نفسه تقريبا ذاك الذي يَرِد في نطاق الدعوة للآخَر إلى أن يترفَّقَ بأهل بيته ويَعمدَ إلى أن يَكون رحيما بهم عملا بما يحثّ عليه النص القرآني وما تدعو إليه الروابط الإنسانية مِن صيانة لحقوق الزوجين وحفظ لواجباتهما انتهاء بالرحمة التي تَهْفُو إليها قلوب الأطفال..
صحيح أن المشاقّ والمتاعِب الملازمة للعمل تَسلبنا جرعاتِ رحيق الحياة، لكن هذا لا يَنفي أن يكون لأسرتك حقّ ولذويك..
ولأن الزوجة والأطفال كليهما يحتاجان إلى الكثير مِن المودة فضلا عن فائض من المداعبة التي تَجعلك أقرب إليهما من هدب العين، فإن هذا يلزمك أن تَكون على وعي بضرورة القفز على إكراهات العمل وترك مشاكله خلف باب بيتك..
رسالة الكاتب أحمد عبد الملك في هذا السياق: لا تَتْرُكْ أعباءَ العمل تمتصّ أحلى الأوقات التي لا يستكثر فيها أهل بيتك عليك شيئا من عسل الحُبّ الطاهر وعذب ماء شلاَّل المشاعر..
- حُسْن الجِوار:
ونحن في زمن باتَ فيه مِن غير العيب والعار أن تَبلغ أخلاق الجار مستوى الانحدار، لكَمْ نَحتاج إلى رسائل توعوية تُعيد الاعتبار لما تداعى مِن القيم وانهار..
وهنا يُعَرِّفُنا أحمد عبد الملك بحقوق الجار على الجار:
«خرج جاره ليذهب إلى عمله، فبادَله تحية الصباح بقلبٍ صافٍ وروح طيبة» (أحمد عبد الملك).
إنه التواضع الذي يرفع به اللهُ مَن يُحِبّ في كل زمن، إلا في هذا الزمن الذي يتمدَّدُ فيه الكِبْرُ، ويترفع الجارُ عن أن يُحَيِّيَ جارَه إن لم يَتجاهَل سَلامَه..
أحمد عبد الملك يَدفعنا بحُبّ ولِين لِنَسْتَحِمّ في شواطئ الأمل والحنين، كيف لا وهو يجدد العهدَ بتاريخ عريق مِن المحبة التي كانت عليها الحال في زمن الرِّجال..
هُم ليسوا سِوى الرجال الذين استوعبوا الدِّينَ وفهموه حقَّ الفهم، لذلك لم يُفَصِّلُوا الدينَ على مقاس جنون العظَمة الذي يُحَوِّل الإنسانَ الجاهلَ الضرير إلى خنزير، يُعميه عن الحق فيُصَفِّق للباطل ويُلحِق الأذى بِمَن أوصى به الرسولُ عليه الصلاة والسلام خيرا حتى قال العارفون بدِين الله إنهم خَشوا أن يُوَرِّثَه الرسولُ، إنه الجارُ..
ولهذا جاءت رسالة أحمد عبد الملك لتؤكد، بإصرار، ما يَقتضيه حُسن الظن بالجار، وإخلاص النية له: صَفِّ قلبَك للجار، أكرِمْه بأنبل تحية كما تُحِبّ أن تُكرَمَ، وزُفَّ إليه مشاعركَ الطيبة كما يَليق بروحك الطيبة..
- أخلاق الطريق:
باقة من النصائح القَيِّمَة يُهديها أحمد عبد الملك لقارئه المفتَرَض ذاك الذي يستعمل الطريق، على أن السارد يَضرب المثل ببطل قصته أو شخصيتها المحورية:
«كان يقظا وهو يقود سيارته ملتزما بكل قواعد المرور» (أحمد عبد الملك).
«ازدحمت السيارات عند إشارة المرور فلم يغير اتجاهه» (أحمد عبد الملك).
«لم يحاول صعود الرصيف.. لم يستخدم البوق المزعج عندما تلكأت السيارة التي أمامه» (أحمد عبد الملك).
«عند تقاطع الشارع كانت هناك سيارة مستعجَلة فأعطاها إشارة المرور» (أحمد عبد الملك).
«وصل إلى الإشارة الضوئية وكانت صفراء.. خفف من سرعته ووقف» (أحمد عبد الملك).
أوليس ذاك ما تُمليه السلامة الطرقية؟!
أوليس ذاك ما يقودك إلى النجاة من حرب الطرقات؟!
أوليس ذاك ما يُؤَهِّلُك لتُعطي الدرسَ في حسن القيادة؟! أوليس ذاك ما يَحفظ روحك اللصيقة بجسدك بعيدا عن تهديده بحفر حفرة تلملم أشلاءه؟!
- الإخلاص في أداء الواجب:
بحكمة الإنسان المثالي يَمْضي بطلُ القصة في التعريف بسلوكه المدني ذاك الذي يُنَزِّهُه عن السقوط في مستنقع التجاوزات:
«جاء شخص مندفعا بكبرياء.. وشموخ.. وتعالٍ، ورمى بالورقة أمامه مخاطبا إياه بإنجازها بسرعة.. وبما أن إنجاز المعاملة يحتاج إلى وقت ليس بالقصير.. فقد شرح صاحبنا للشخص طريقة إنجازها، لكن الشخص رفض.. ثم أدخل يده في جيبه وأخرج مجموعة من الأوراق النقدية.. ابتسم صاحبنا ورد الورقات إلى صاحبها مبينا أنه يتسلم راتبا من الدولة لقاءَ خدمته» (أحمد عبد الملك).
ولأن العمل في الإدارات قد يَجعل الموظف يخضع لإغراءات الرشوة فلا يجد حرجا في تقديم تنازلات، نَجِد السارد هنا يَدقّ ناقوس التحذير بطريقة فنية ليرسم علامة «قِفْ» قبل أن تنفلت قدَمَا الموظف لتنزلقا في وحل الشبهة وما يَتبعها مِن محاسَبة قد تَحكم بطرده..
أنتَ تؤدي عملا تتلقى عنه راتبا قارا، وليس من حقك أن تَمدّ يدك إلى جيوب الآخَرين بحجة الرغبة في تسهيل إجراءات العمل.. كُن رقيبا على نفسك ولا تَنْسَ أن عينَ الله لا تنام.. عين الله تحرسك..
- اللاتملق لأرباب العمل:
أكثر الناس يُجيد التمثيل على ربّ العمل، لذلك لا ترى من هذا الذي يمثل إلاّ المشاعر المزيَّفة والحُبّ الكبير الذي لا يتجاوز حدود اللسان والشفاه بينما القلب منه بريء:
«نزل المدير، فإذا بالموظفين يتوددون إليه بكلمات منمَّقة.. لكن صاحبنا حَيَّاه باحترام وتنحَّى بكل قوة وثبات» (أحمد عبد الملك).
الأسوأ في كل هذا التهريج هو أن أرباب العمل ليسوا من السذاجة إلى هذا الحد، ولا هُم بالمغفَّلين، لذلك فإنهم مهما استمتعوا بمفردات المحبة الطائرة من شفاه لا تعرف لونَ الصدق ولا طعمَه، فإنهم يدرون جيدا مَن الأَوْلى بالترقية ومَن الأجدى بالاحتفاظ به بعيدا عن هَدر الوقت في غزل الكلام..
- الأمانة تُجاه زملاء العمل:
ولأن «اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية»، فإن مِن الواجب أن تَحفظ لسانك كي لا تأكل لحم أخيك ميتا:
«على سلم المبنى تقابل مع أحد الموظفين الذي حاول أن يَستميله في حديث عن زميل آخَر، لكنه اعتذر عن عدم معرفته بالموضوع ونزل درجات السُّلَّم» (أحمد عبد الملك).
ولْيَسْتَوْعِبْ كُلٌّ مِنا أن ما مِن امرئ جاءَكَ بإفك وبهتان إلا وأطلقَ العنان لينقل عنك بقدر ما ينقل إليك، فَلْتُنْصِتْ إلى مَن عيناه عن سِواه نائمتان..
- احترام إنسانية غير علّية القوم:
ليس المطلوب منك يا صديقي أن تَنحني لمن له سلطة عليك، لأن التواضع الحقيقي لا يَصدر إلا عن إنسان يتقن الانحناء شكرا لغيره كما يُحِبُّ هو أن يَشكره غيره مقابل عمل أحسن به إليهم:
«دخل ألفَرَّاش بالجرائد اليومية.. شكره» (أحمد عبد الملك).
مَن لم يشكر الناس لن يشكروه، وما تَوَدُّدُك شاكرا لمن هو دونَكَ منزلة إلا عنوان لِفَيْض أخلاقك الكريمة..
{{{
الخِطاب السردي ينجح بصورة متمكنة كلما تعلق الأمر بما هو مُقَيَّد بحبل حياتنا اليومية.. لذلك لم يكن مِن غير الحكمة أن يَصوغ أحمد عبد الملك خطابا سرديا كهذا ليَكنس شيئا مِن أرصفة الْمُدُن الهاربة منها الفضيلة..
ومن ثمة، كان من الطبيعي أن يَتَّسِمَ سردُ أحمد عبد الملك بنفحة غير واقعية، لماذا؟! لأن مُتَخَيَّلَه يأتي ذا طابع استشرافي تأسيسي لما يجب أن تَجري عليه الحياة في غير المجتمعات تلك التي تتبجح بالتحرر وعدم الانقياد لأسر الأعراف التي ظنناها بائدة وما بادَت..
إنه أحمد عبد الملك رَجُل المدينة الفاضلة تلك التي مازالت المجتمعات الباحثة عن حرية التحضر في حاجة إلى أن تَبنيها من جديد..
بطلُ سردِ أحمد عبد الملك بطلٌ غير واقعي، لكنه يستحق أن نُعطيه شهادةَ ميلاد، في كل بلاد، ما لم نَنْأَ عن التمسك بقِيَمِنا وأخلاقنا وما رَسَّخَتْه فينا هويتنا العربية الإسلامية هذه التي تَجعل العملَ عبادة..
العمل عبادة هو لا يجوز التقصير فيها أو الغش أو التهاون، ولْيَكُنْ مِن ثمة كل فِعل نَقوم به بمثابة العمل الذي يَجب أن نتفانى فيه ونُخلص فيه ونُصَفّيه، وقبل أن نُصَفّي العمل لِنُصَفِّ قلوبنا ولْنَتَخَلَّصْ مِن كُلّ الشوائب التي تَظَلُّ عالقة بنا ما لم نَغْتَسِلْ تحت مطر الحِسّ الإنساني..

سعاد درير