كتاب وأراء

أنـفـاس مُطْفَـأَة ! (مقتطف مِن رواية)

أنـفـاس مُطْفَـأَة 
!
(مقتطف مِن رواية)

إهداء:
[إلى مَن آلَمَتْهُم المَنافي وغَرَّبَتْهُم مكنسة الأيام عن وطن الحُبّ..
إلى مَن لا سماء تَكفي مطرَ عيونهم الحالِف أن يَبلغ بِهم سقف الفُجور في البُكاء كشمعة لا يَجفّ قميصُ دموعها إلا عند رصيف النهاية..
إلى مَن يَقفون كجِدار يَصلبهم الزمنُ عليه كما يُصلَبُ الظِّلّ، ولا تَهدأ جذوةُ حنينهم إلى بِساط يَطير بهم إلى قِمَم الحرية بعيدا عن مُدن الضوء الصاعقة كهرباؤه..].
= = =
نَسمات هادئة تختال ككُرَة الملاعِب وهي تُداعب الخدَّ والآخَر كما يُداعِب منديل حريرٍ جسدَ أنثى لم تُقْتَحَم حُصونها ولم يُجَسّ لها نَبْضُ خَلِية، وشمس آذار البِلَّورية تُحَيِّي المساءَ المتثاقل الخطوات تحيةَ الوداع، على أمل أن تَعِدَ بشروق آخَر بَهِيّ ونَدِيّ..
مِن بعيد تتراءى أسراب الطيور المحلِّقة والهادرة، والطيور الآدمية المهاجرة، تَقطع الفضاءَ القَصِيّ جيئة وذهابا.. وهذه الدكتورة هديل وحدها تَجرّ جثتها الثقيلة بحبر الأيام، رصيدها مِن حياة (طالت أو قصرت) شروخ دامية وذاكرة متعَبة..
الدكتورة هديل آخِر مَن التحق بمطار باريس، وما أن وطئتْ قدمُها اليمنى عتبة المطار حتى فارقَتْ قدمها اليسرى آخِرَ رصيف مِن أرصفة المنفى..
ما أن قَدَّمَتْ جوازَ سَفرها للموظف المكلَّف بمراقبة الجوازات حتى حَيَّاها تحية تَعَوَّدَتْ عليها وصارَتْ مألوفة كلما حَطَّتْ قَدَماها على بلاط شارع من شوارع باريس..
لم تَعُدْ سحنتها العربية غريبة عن وجوه باريس، ولا صوتها أيضا، غير أن رَدّ التحية هذه المرة كان يَنقصه شيء ما، شيء كملح الطعام، فابتسامتها الفاترة وإشراقتها المنطفئة كانتا تقولان ما يَعجز عنه اللسان، ما كانتا تقولانه لا يختلف عن وقع رشقٍ بالحجر سَجَّلَه في مرمى الحلق طعمُ المرارة..
أَهُوَ ألم الفراق ذاك الذي كان؟!
أم كان ألم اللقاء هُوَ؟!
أكان ألم فراق باريس شمعة الليل وسيدة المنافي؟!
أم كان ألم لقاء وطن الذكريات الْمُرّة والأرض المختومة بالدمع والوجع؟!
الدكتورة هديل!
خانتها دموعها هذه المرة أيضا وهي تَصعد سُلَّم الطائرة، لكن دموعها هذه الْمَرّة تَختلف كثيرا عن أيّ دموع عابرة..
في هذه اللحظة بالذات، عادَتْ بذاكرتها إلى الوراء، إلى ما قبل سنوات مَضَتْ، وبالضبط إلى اللحظة التي صعدَتْ فيها الدَّرَجَ نفْسَه في سُلَّم طائرة أخرى..
الفرق الوحيد هو أن طائرتها الآن تُوشك أن تُفارق أرضَ باريس، المنفى الاختياري، بينما كانت الطائرة الأخرى تُوشِك أن تُفارق أرض الوطن، المنفى الإجباري، وشَتَّانَ بين المنفيين!
لكن الدموع وقت الرحيل الأول وعند صعود الطائرة الأولى كانت بلون النار وحرارة النار، كانت الدموع يومها لهيبا، تماما كالقلب، كانت دموعها دموع روح مذبوحة تُصِرّ على الرحيل بأيّ شكل وبأيّ طريقة..
مهما كان الرحيل محرقا وموجعا، ومهما كانت طعنة الرحيل جارحة وكاسرة، فإنها لن تَكون أبدا في مستوى عمق الطعنة إن هي رضيتْ بالبقاء هنالك، حيث كانت، كأنَّ شيئا لم يَكن..
ذاك ثمن ألفِرار! وتِلك نار الاختيار!
= = =
عندما أقلعَت الطائرة، كانت الدكتورة هديل تُطِلّ مِن آخِر نافذة مجاورة لآخِر كرسي فيها. كانت عيناها على الفضاء الخارجي. ما هي سوى لحظات قليلة حتى نَأَتْ بذاكرتها إلى فضاء مماثل نوعاً ما. استرجعَتْ تفاصيل اليوم الذي كانت تَجلس فيه وحيدة على المصطبة اليتيمة تلك التي كانت تُؤَثِّثُ فضاءَ الحديقة الجانبية في ساحة المعهد العالي للصحافة والإعلام..
كانت يومها طالبة في السنة الأولى،كانت تقتعد المصطبة بعيدا عن عيون الطلبة والطالبات في وضع ثابت ومميز لا تتنازل عنه ولا تبدله، وكانت عيناها على الفضاء الممتد الخالي..
كان مرفقاها على ظهر محفظتها المستطيلة تلك التي افترشَتْ ساقيها المثنيتين جنبا إلى جنب، وكانت راحتا يديها المائلتين متشابكتي الأصابع، بينما يَتَوَسَّدُهما خَدُّها الأيمن، في حين كانت عيناها هائمتين كحمامتين في ملكوت سُبحان مَن صَوَّرَه..
لم يُفسد عليها خلوتَها يومها سِوى طنين طيفين آدميين اتكآ في نهاية المطاف على الحائط الخلفي للمبنى المقابل للمصطبة..
لم تَكن هديل لتنتبه إلى الطيفين أو تهتمَّ بأمرهما أصلا لولا أنهما تَعََّمدا أن يرسما بخطاهما دوائر حولها، وعند رسمهما لكل دائرة يَسقطان تحت إغراء فكرة الاتكاء على الحائط نفسه..
لكن الغريب أنهما كلما مَرَّا قُبَالَتَها، تَعَمَّدَ أحدهما النظر إليها جهارا، بينما كان الآخَر في وضع اللامبالاة بما يَحدث حوله أو هكذا بدا لها على الأقلّ..
وكلما ركن الطيفان إلى الحائط المذكور، تَجد هديل حرجا في استمرار الطيف الأول في ملاحقتها بنظراته.. استمر الأمر هكذا طويلا، وخَجَلُ هديل كان يُذيبُها كالشمع المتمدد في صفيح ساخن، ومِن ثمة يَحولُ دون قدرتها على التحرك، فكان صمود الغريبين قُدَّامَها كالعقدة في المنشار تلك التي تمنعها من المغادَرة بإصرار، إلى أن التحقت بهديل صديقتها الوحيدة لقاء، وكانت طالبة تقيم بداخلية المعهد لأن عائلتها كانت تقطن بمدينة أخرى بعيدة..
جَرَت العادة على أن تُعَمِّر هديل ولقاء المصطبة نفسها دون سِواها، للدردشة وتفصيل حكايات البنات تارة، ولتأمل الطبيعة تارة أخرى كلما تغيب أستاذ محاضِر.. والأهم من هذا وذاك أن لقاء كانت تَجد في دفء هديل وجرعات حنانها ألفَيَّاض الروحَ الطيبة وقلبَ الأمّ الغائبة لتخفف عنها لوعة البُعد وتجفف دموع فِراق الأهل..
ما إن جلست لقاء إلى جوارها حتى انتصبت هديل واقفة وهي تَجذب لقاء من يدها، دون أن تَفهم الأخرى شيئا، خِلافا لما جرى به العمل..
تصورت لقاء أن صديقتها هديل تعبَتْ مِن الجلوس، أو ربما فاتها موعد لم تنتبه إليه، فشاطرتها الرأيَ، وأطلقتا ساقيهما للريح حتى ابتعدتا عن المصطبة والمبنى والطيفين..
جَرَّهُما الحديثُ، ولَفَّهُما خيطُ الكلام في كُبَّته، حتى نسيت هديل الخطوات والنظرات المثيرة والمربِكة تلك الصادرة عن الطيف الأول ذي القامة الفارعة والوقع الخاص للنظرة تلك المنسابة كخلخال يُغادر مَحَلَّ تاجر ذوَّاق لِيَتَغَزَّلَ بمفاتِن ساق..
ابتعدت كثيرا هديل ولقاء، إلى أن بلغتا فضاء زاخرا بالطبيعة الخلابة، بل كلاهما انتبهت إلى نأيهما عن الأماكن الآهلة بالطلبة والموظفين والحراس، فقررتا العودة، وإذا بهديل تختلس الأنفاس.. وما إن استدارَتا حتى وجدَتْ هديل نفسها وجها لوجه مع الطيفين الآدميين..
كَسَا الذهول مُحَيَّا هديل حين لمحَت الشاب الفارع ذاك الذي طَوَّقَها بنظراته، وما أسرع أن تَلَبَّسَها الخجلُ ولَطَّخَ بحمرة فاقعة وجنتيها المتوردتين في أَوْجِ الصِّبا.. صحيح أن نظرتَها إلى الطيف لم تَكُنْ أكثر مِن نظرة مسترقة، إلا أنها اختزنت كل التفاصيل كعين عدسة كاميرا، ومن ثمة سمحَتْ لها قدر الكفاية بأن تلتقط صورةَ ابتسامة متمددة في سرير عينيه موازاة مع ابتسامة شفتيه..
غَضَّتْ هديل عينيها بسرعة البرق، وأَلْقَتْ بنظرتها على الأرض وكأنها تُعاقِب نفسَها كمن خسرَ رهان الرغبة في ألاَّ يَكشف الآخَرُ أوراقَه.. مرة أخرى جذبت هديل صديقتها مِن يدها، وغَيَّرَتَا مسارَهما بعيدا عن اتجاه الطيفين..
لم تَجد هديل مناصا من الإجابة عن استفسارات لقاء على وجه الإلحاح، فلقاء لا تَخفى عنها أسرار هديل القلبية مهما تمنعت الأخرى، كما أن لقاء سبق لها أن لمحت شيئا مِن عرض الطيفين المسرحي الهزلي على مشارف المصطبة وهما يَكتبان بقيادة المايسترو الباسم العينين حكايةَ أشواق تَحمل بين كَفَّيْها شهادةَ مِيلاد..
ولا غرابة أن تلمح لقاء، بالْمِثْل، بحسها الأنثوي الجامح اهتماما من ذاك الفارع الطول والبهيّ الطلعة بهديل، بل استمتعت لقاء بالوشوشة التي كانت تُحَدِّثُ بها عصافير عينيه عصافير عَيْنَيْ هديل، لكن لقاء كعادتها لا تفتح شفتيها للاستفسار، غير أن عينيها كانتا تسجلان باهتمام سطورا من علامات التعجب والاستفهام..
ببساطتها المعهودة شرحَتْ هديل للقاء ما وقع دون مبالغة، لا سيما وأنها تعودت على مَشاهِد من هذا القبيل كلما كانت تلفت انتباهَ معجَب من هذا المعهد أو ذاك..
عند حدود هذه اللحظة أخبرتها لقاء بأن الطيفين زميلان لهما في المعهد، والأهم من كل هذا أنهما يقاسمان لقاء المؤسَّسة الداخلية نفسَها وإن كانا ينتسبان إلى مدينة أخرى بعيدة أو مدينتين اثنتين، لأن مدينة لقاء صغيرة، ولذلك تَحفظ لقاء وجوه أبناء المدينة الذين تَخَرَّجُوا من دفعتها..
تركتا جانباً الطيفين، وشرعتا معا في استذكار محاضرة الصباح الشيقة بلباقة صاحبها في ربط الحوار مع الآخَر، ومن ثمة تفرَّعَت الموضوعات ليأخذهما الحديث بعيدا، وموازاة مع منعرجات الأسوار الخلفية للمعهد كانتا تلتقطان الأفكار إلى أن قَطَعَتَا بسلامٍ الممراتِ الصغيرةَ الضيقة تلك التي تَقود إلى مخارج المعهد..
كان الطلبة والطالبات يَصْطَفُّون على أرصفة الممرات، بينما يَتَكَوَّم الآخرون والأُخْرَيَات هنا وهنالك جماعات.. قررت هديل أن ترافق لقاء إلى المؤسسة الداخلية، اجتازت أقدامهما الهاربة مِن طوق الجنون مسافةَ الفضاء المعاكس لخط اتجاه الطريق إلى المعهد صعودا إلى عقبة مقرّ الداخلية، وما أن رَمَتا أعينهما على مساحة شجرة باسقة قريبا منهما يَطيب لأقرانهما أن يستظلوا تحت فيئها الأوسع مِن صدر الحرية حتى وجدتا أن الطيف الباسم العينين يطل من ورائها وهو يوزع بالعَدْل كعكةَ الابتسامات، بينما ينظر بين الفينة والأخرى إلى الطيف الآخَر اللصيق به..
شيء أكبر مِن الصدمة ما كان ليحلَّ الأزمة، إنها أزمة القلب الشاعر بحلول موسم ربيع الحُبّ الثائر..
بحق السماء! هل كان الطيفان يتقفيان أثر هديل ولقاء؟!
هل ربضَا معا في انتظارهما يَتَحَسَّسان أثر الخطوة المنفلتة عن قيد اللحظة المجنونة؟!
هل كانا يخططان للإيقاع بالاثنتين في مصيدة نزق النفس المتمردة على قانون الفطرة السليمة؟!
هل كانا معا يحفران حفرة لم يَدريا بأنها أبعد عن أن تَسقط فيها هديل تلك التي كان تجرجر خلفها لقاء؟!
ظلتا طيلة ذلك المساء تُغَيِّران الأماكن كقطعتي شطرنج هاربتين من العلبة/‏‏‏ اللعبة، وفي كل مكان كان يلاحقهما الطيفان، وكانت دائما نظرات «عين» ذي العينين الباسمتين تَقع على هديل..
مباشرة بعد ذلك، صار عين يوميا مشهدَ الصباح والمساء، نظراته اللاهثة هي نفسها، خطواته المطارِدة هي نفسها، ولم تعد هديل تحتاج إلى أن تُخَيِّمَ عليها غيمةُ شكٍّ واحدة تُذكَر في حقيقة ما يحدث.. لقد صافحَت الحقيقةُ الحلمَ، وانحنى العقل إعجابا بسطور القلب، وصَفَّقَا مَعاً للآتي..
من جهتها، لم تُفَوِّتْ لقاء لقطةً واحدة من أحداث الفيلم الرومانسي الطويل والشيق، بل كانت هي ذاتها تَصِفُ وتُتَرْجِمُ لهديل مضمونَ خطابات ورسائل نظرات عين.. ولأنَّ للقَدَر فَماً لا تَسقط كلمتُه، فقد شاءَت الصدفة أن يَكون للزميلة الثالثة «هَوَى» فضلُ التعارف العفوي بين هديل وعين، وكانت هَوى مِن بلدة عين نفسها.. لكن رغم التعارف السطحي، والحرص على تبادل كراسات المقررات بين الزملاء في ما بينهم، بما في ذلك هديل وعين، فقد ظلت العلاقة متوترة بين هذين الأخيرين..
ظلت العلاقة القائمة بينهما غامضة وغريبة من نوعها، لأن لغة الكلام تَعَطَّلَتْ، بينما تَفَنَّنَتْ في الاشتغال لغةُ العيون المتبادَلة مراسيلها بينهما الاثنين، ولا أَبْلَغ تعبيرا عن اللهفة والشوق من نظرات عين..
لم يَقطَع تشويقَ هذا الفيلم الصامت الذي يُذَكِّرُ بكلاسيكيات أفلام زمن الأبيض والأسود سِوى موعد العطلة التي شَكَّلَتْ مناسَبة لاختبار المشاعر، وإن كانت في حقيقتها عطلة قصيرة هدفها التأهب للامتحانات النهائية..
بعد العطلة مباشرة كان عين من أوائل الوافِدين على مدينة هديل، وبالمعهد كان أول الحالّين، قَدِمَ عين وهو يَتَصَبَّبُ شوقا إلى هديل الوردة المتفتحة..
بين حصة امتحان وأخرى كانت عينا عين تَضيعان بحثا عن هديل في كل مكان، ولم تكن لقاء مبالِغة مُطْلَقاً في حُكمها يوم أطلَّتْ هي وهديل مِن الشرفة المجاوِرة لقاعة الامتحان ورمقتا طيفَ عين عند رصيف القاعة الأرضية وهو يمسح بعينيه أوراقا بين يديه استعدادا لمواجهة الأستاذ الممتحِن..
كان عين جالسا على العتبة يُقَلِّب مرجعا بين يديه، فما أن لمح الاثنتين حتى نسي أمرَ المرجع، واسترسل بنظراته في كتابة فَصْلٍ آخَر مِن فصول رواية حُبّ مُعَلَّق..
عيناه الاثنتان كانتا تحكيان عن حُبّ جارف لمحيط الإحساس كما لا يَخبره الناس، وهو ما شَجَّعَ لقاء على أن تُصْدِرَ حُكمها بنفادِ صبرٍ اعتمادا على كلمات سَلِسَة باللهجة المصرية هي التي لا تَعرف كيف تتقمص دورَ الفضولية:
«دا واقِع لِشُوشْتُه»!
ولم يَقطع خيطَ نظراته تلك التي كانَتْ تَخيطُ جلبابَ الشوق، وتَبوح بالكثير، إلا صوت أستاذه الذي خرج مسرعا وزَمْجَرَ في سماء أذنيه غاضبا ظَنّاً منه أنه تَخَلَّفَ عن دوره في الامتحان..
في تلك الأيام، كانت هديل تَشعر بِتَخدير أنامِل الحُبّ ودَبِيب أول النَّبض، نبض القلب، هذا صحيح، لكن مع ذلك ظَلَّتْ حائرة في أمر العاشق الأخرس عين..
ترى ما الذي كان يقف عائقا دون بوحه واعترافه إذا كانت عيناه لا تحجبان شيئا؟!
حتى في خزانة الكتب والأشرطة الصوتية السمعية والبصرية، لم يكن عين ليرفع عينيه عن هديل كلما قَصدَتْ الخزانة طلبا لصورة أو وثيقة أو إشراف ميداني بَطَله قرص يُساعِد على إنجاز روبورتاج أو إتمام تحقيق..
كان عين يَفعَل ذلك على مرأى مِن عيون الزملاء والزميلات، وتَذكر هديل جيدا يومَ كانت منهمكة في تَصَفُّح وثيقة وَرَقِية، فما أن جالت بعينيها تخفيفا من وطأة إرهاق القراءة حتى اصطدمت بشبح «عين» الجالس قُبَالَتَها ولا مادة تُقرَأ بين يديه، لأن عينيه كانتا تتصفَّحان كتابا آخَر مِن لحم ودَم وإحساس..
كانت عيناه على هديل، وما أن حصل التلاقي بين العيون حتى هَمَّ عين بإشعار هوى التي كانت تسترسل في الكتابة، التفتت هوى بحماس، رمقتها هديل وتوصلت منها ببريد ابتسامة عذبة، تداخل عند هديل الحَرَج والخجَل، خَطَّطَتْ بسرعة الزمن الكهربائي للرحيل وسارعَتْ إلى مغادَرة المكان، وما أن شرعت في التنفيذ حتى حَرَنَ حِصانَا قَدَمَيْها، تجمد الدمُ في عروق ساقيها وأحسَّتْ بهما رُخاميتين.. انكمشَتْ فكرة النجاة وتَقَلَّصَتْ، بينما مَدَّدَ الخجلُ أَذْرُعَه وسِيقانه كما يَتمدد مكعب زبدة.. كان مَقْلَباً حارّاً بِطَعم فُلفل العِشق لا يُنْسَى!
شيء واحد لم تَنْسَه هديل هو أنها شاهدت طيف عين ذات يوم خارج المعهد بصحبة «وحيد»، إنه رفيقه نفسه ذاك الذي رمقته معه يوم كانت البطولة للمصطبة الْمَعْسُولة بنظرات الحُبّ.. لكن الغريبَ أن ثمة أنثى كانت تتوسط المسافة بين عين ووحيد!
كان الثلاثة يتجولون، والأغرب أن علاقة الفتاة بالشابين بَدَتْ أكثر مِن حميمية.. في تلك اللحظات أيضا التقطَتْ هديل ذيلا مِن النظرات التي كانت تَجلِد بمجرد أن صدر عن عين نوع من التحسيس اللاإرادي بأنه وقَعَ في ورطة.. كان خِطاب عينيه يُضْمِر أكثر مما يَكشف..
ما أن أشرف الموسم الدراسي على النهاية حتى ظهر لِـ «عين» صديق حميم كان ينتمي إلى بلدة لقاء، إنه وليد، كان زميلَ دراسة لا يَغيب حضوره عن هديل ولا تَغيب أخباره عن لقاء، فهو طالب نجيب، كان بلون سمرة لقاء كما كان متخلِّقا بثوب أخلاقها العالية..
كان في انتظار وليد خيبة أملٍ لا يتوقعها مُحِبٌّ مُخْلِصٌ حتى حين، فقد تعلَّقَتْ عيناه بلقاء، ولم يكن ليُخفي إعجابَه الكبير بها، لكنها المسكينة كانت تحترم نيةَ عائلتها في تزويجها بابن خالتها الذي تَعَوَّدَ على الإقامة في ديار الْمَهْجَر.. في بلدة لقاء هنالك كان الواحدُ مِنهم يَقطع الوعدَ قَطْعَ السيف..
كسحابةِ صيفٍ تَبَدَّدَتْ محنةُ أيام الامتحان، جَمَعَ الموسِم الدِّراسي الأول حقائِبَه وغادَرَ بعد أن بَشَّرَت النتائج النهائية بالنجاح، ثم حَلَّت أيام صعبة تزامنَتْ مع عطلة الصيف التي قَطَعَتْ حَبْلَ الوِصال..
(...)
تجربةُ السّجن تلك لم تَكسر شوكتَها ولم تَسرق العِطْرَ مِن قارورة اشتهاءاتها قريبا مِن مدينة الحُلم، فهي كانَتْ تَعلم عِلْمَ اليقين أنَّ السجن الكبير لا يَخرج عن الأرض تِلك التي تَحبس أنفاسَكَ وتُقَيِّدُ حريةَ قدمَيْكَ بعيدا عن الأسوار والقُضبان..
بقلم: سعاد درير

سعاد درير