كتاب وأراء

«أمّ الـجـرائـم» - «2-2»

نتحدث دائمـاً عن «يوليو» باعتباره شـهر الدم والثورات: الثورة الفرنسـية، ثورة 23 يوليـو، ثورة العـراق 14/ يوليو / تموز 1958 وكأن «تموز» الآشـوري صبغ هـذا الشـهر بدمه كما أعطاه اسـمه الذي ما زال سائداً في سـورية والعراق. لكن من النادر أن نتحدث عن أغسـطس مثل يوليـو، وكأنه شـهر هادئ، ربما لأن الحـر فيه يبلغ حده الأقـصى، فـيركن الناس إلى الهدوء والاستراحة في 3/ 8 مرت ذكرى تأسيس الجيش اللبناني. وبعيداً عن العواطف والأغاني لم يكن للبنان في يوم من الأيام جيش يحميه، وعندما انتهت الحرب الأهلية واتفـق المتحاربون، أعادوا بناء لبنان، وكان الخطـأ الأكبر أنهـم انصرفـوا إلى بناء الحجـر، ولم يلتفـتـوا إلى بنـاء الـمواطـن وبناء الجيش، واحتفظ «حزب الله» بسلاحه، واخترعوا مقولة «الجيش والشعب والمقاومة» لكن حزب الله تطور إلى جيش لم يعد أحد يجرؤ على تحديه، ولنتصور أن الميليشـيات الأخرى (مثل القـوات اللبنانية والمِردة والكتائب والتقدمي الا شتراكي) رفضت إلقاء السـلاح، كيف سـيكون حال لبنان؟ لكن الحدث الأهم في «آب اللهّاب» كان في الثاني من شهر آب / أغسطس، وهو الذكرى التاسعة والعشرون للجريمة التي أذهلت العرب جميعاً عندما أمر صدام حسين جيشه باحتلال الكويت. في مايو من ذلك العام 1990 كان يؤكد للمرحوم الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت متانة علاقات الأخوة، وفي 2/8/1980 كانت القـوات العراقية «الباسـلة» المظـفرة تجتـاح واحدة من أهـم منارات الديمـوقراطية والإبـداع والثقافة والتضامن العربي. وذهلنا، وصرخنا: معقول!!! وحاول الزعـماء العرب، وزعـماء عـديدون من العالـم، والأمم المتحدة إقـناعه بالانسـحاب والتراجع عـن هـذه الجريمة، لكنه لم يسـتـمع إلا إلى صوت نفسه، ونذكر جيداً أنه قال: لا أستطيع الانسحاب، لأن جيشي سـينقلب علي وسيقتلني. وبعد ذلك بشهور أجبر التحالف الدولي هذا الجيش (الذي ادعى صدام أنه سيعدمه إذا انسحب) على أكثر الانسحابات إذلالاً ومهانة في التاريخ.
ارتكب صدام حسين جرائم كثيرة لكن جريمة احتلال الكويت هي الجريمة الكبرى في سجله الدامي، وهي «أم الجرائم» لأنها قادت إلى شبه استقلال لإقليم كردستان العراق، حتى إن مسعود برزاني أصر على إجراء استفتاء على استقلال كردستان، وقادت إلى مهزلة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، ومهدت لنجاح الغزو الأميركي عام 2003، وجرى تدمير العراق الحديث، والبقية تعرفونها.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين