كتاب وأراء

بين الدقة الإخبارية والسانحة الفكرية

توزعت ما بين تدوين خواطري الأدبية والاجتماعية، وكتابة القصة القصيرة أحيانا، والتعبير بصورة شعرية أحيانا أخرى، وبين الالتزام بكتابة الخبر متضمنا عناصره الخمسة المعروفة، مستعينا بما في مخزوني من تبعيات لهذا الخبر، حتى يكون مقروءا يلتزم بالصدقية إلى أقصى حد.
وأعترف أن المسكون بالتوجهين قلما يفلح فيهما، لأن الأدب ومتطلباته من جنوح بالخيال، ورسم الصورة، غير مرحب به في عالم الأخبار الذي يتطلب الدقة، والحيدة، والصدقية، ورجل الأخبار المعلق على الأحداث، بعيد عن سوق الأدب، فهو كلما كان حافظا لأحداث التاريخ، وتقلب أحواله، ملما بمجريات الأمور، كلما كان أقرب إلى القبول، يتساوى ذلك في الأزمة الإيرانية مع الغرب، وأميركا تحديدا، وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، ومطالبته شخصيات برلمانية لامعة بالعودة إلى أصولها التي جاءت منها، مما حمل مراقبين على إلصاق تهمة التمييز العرقي به، والعواقب الأخيرة التي تلت مباريات كرة القدم في كأس الأمم الإفريقية، وما يجري على الساحة العربية من غموض حول مستقبل القضية الفلسطينية في ظل ما تسمى بصفقة القرن.
على الكاتب الصحفي الذي يحترف هذه المهنة أن يكون ملما بهاتيك القضايا والأحداث بصورة جيدة حتى يعكس لقارئه تصورا معقولا ومقبولا، وليس مجرد عبارات إنشائية تعود بِنَا لعصر المنفلوطي والرافعي، وقد جاء الراحل محمد التابعي ومجوعة من عشاق الصحافة في مصر، ووضعوا لنا مدرسة جديدة تعتمد الخبر المصاغ بكلمات قليلة نافذة كحد السيف، وتبع هذه المدرسة كثيرون أبرزهم الشقيقان التوأمان علي أمين ومصطفى أمين، ووجدت بموازاة هذه المدرسة مدرسة روزاليوسف بقيادة الصحفي الأديب إحسان عبد القدوس وكتيبته التي كان أبرزها أحمد بهاء الدين وفتحي غانم ولويس جريس وكامل زهيري وغيرهم، وهي مدرسة اختار الراحل أحمد بهاء الدين لها شعارا أعجبنا به: القلوب الشابة والعقول المتحررة، ومن خلال هاتين المدرستين شهد بلاط صاحبة الجلالة كتابا، ومعلقين كبارا على الأحداث، وكتاب آراء في الحياة والعمران.
ولا أختم هذه الخاطرة دون أن أعرج على شخصية أدبية وإعلامية بارزة عاشت بين ظهرانينا في دولة قطر نحو خمسة وعشرين عاما، كان من حسن طالعي أن أرافقها زميلا في مهنة الأخبار وحرفة الأدب، تلك هي شخصية الناقد السوداني الكبير الأستاذ محيي الدين محمد، فقد كان أبوكريم من خير من عرفت في التمييز المطلق بين الخاطرة الأدبية والخبر السياسي، فحينما يتناول كتابة حدث سياسي، فإنه يعتبر مرجعا في ذلك الحدث بما يضيف عليه من عندياته من معلومات، وحينما ينتقد عملا أدبيا يكون مؤشرا وهاديا لما يتضمنه العمل من صور وأفكار لا نكتشفها إلا من نقده، ولا عجب في ذلك، فهو من ألف لنا رائعته المسماة: ثورة على الفكر المعاصر وغيره من الكتب الأدبية والثقافية.
وفِي المحصلة النهائية، فإن الكتابة في شتى مناحيها، عشق وإخلاص وإفادة.
بقلم: حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل