كتاب وأراء

«ناتو آسيوي» تقوده الصين و«أرثوذكسي» تترأسه روسيا

في أزمنة الحرب الباردة والعالم ثنائي القطبية، كان يوجد لكل من القطبين تكتل سياسي يسانده، فعرفنا حلف وارسو الشرقي وقطبه الأكبر الاتحاد السوفياتي أو الامبراطورية الحمراء، الذي أصبح حاليا أثرا بعد عين، فور انهيار وتفكك بلاد السوفيات، كما عرفنا أيضا حلف الناتو الذي تتزعمه بلاد العم سام أو الولايات المتحدة الأميركية، وهو الحلف الصامد حتى اليوم، والذي تمدد واتسع بقبوله عضوية دول في شرق أوروبا انسلخت وفرّت من الحظيرة الشيوعية بحثا عن مستقبل سياسي واقتصادي جديد، حتى أن عاصمة الحلف الشيوعي «وارسو» التي نسب إلى اسمها ذاك الحلف أصبحت عضوا أصيلا ومهما في الناتو، كما أن دولا أوروبية وآسيوية أخرى متاخمة لروسيا انضمت إلى الناتو الذي تقف على بوابته دول عدة ترنو إلى الالتحاق بناديه الكبير.
الصين أو بلاد العم ماو التي أصبحت القطب الثالث في نظام دولي جديد متعدد الأقطاب لايزال طور التشكيل، صارت تدرك الآن أكثر من أي وقت مضى حاجتها كقطب دولي إلى حلف سياسي وعسكري يشبه حلف الناتو الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة؛
ولهذا وجدنا الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتصف يونيو الماضي، يحث المشاركين في قمة «التعاون وبناء الثقة في آسيا»، الذي احتضنته عاصمة طاجيكستان دوشنبه، على التفكير في «هيكلية أمن» المنطقة، وهو ما يعني حاجة هذا الإقليم الأصفر الشاسع إلى نادي تحالف لدوله، ليكون هذا التحالف منافسا قويا للناتو، ووعاء سياسيا وعسكريا يعزز قطبية الصين الجديدة، ويكون في ظهرها وهي تخوض تحديات عدة وخطيرة، في صدارتها خطر انسلاخ هونج كونج وتعويم هذا البلد بعيدا عن الوطن الأم الصين، والصراع الآسيوي بخصوص حق السيادة على جزر في بحار آسيا الجنوبية، وهي جزر واعدة بثروات الطاقة والصيد، فضلا عن الحرب الاقتصادية الشرسة التي تتناطح فيها جهرا واشنطن وبكين.
ويبدو أن بلاد العم ماو قد استشعرت ما يمكن أن يواجه مشروعها الاقتصادي الكبير والحالم والمدعو «طريق الحرير» من دون حلف سياسي وعسكري يكون ظهيرا لهذا المشروع الاقتصادي.السؤال الذي يطرح نفسه: هل تفكر بلاد العم ماو في ناتو آسيوي تنفرد بقيادته؟ أم أن هذا الناتو الآسيوي سيرحب بانضمام روسيا ليكون هذا الحلف الجديد ثنائي القيادتين، خاصة أن العلاقات بين دول آسيا يكتنفها تعقيدات تاريخية وإثنية يصعب معها تسهيل بلورة تحالفات وطيدة ومستدامة يمكن معها تطبيق النموذج التحالفي الأوروبي على القارة الصفراء؟
أغلب الظن أن الصين ترنو إلى حلف تتربع على عرشه ولا يشاركها في قيادته الروس، دون أن يؤثر ذلك على منسوب التعاون العسكري بين بكين وموسكو، وهو ما يعني أن الروس سيجدون صعوبات كبيرة في إنشاء ناتو أرثوذكسي ينفردون بقيادته ويكون ممتدا ومترامي الأطراف، إذ يلاحظ أن التنافس الاستراتيجي العالمي يزداد وعورة وسخونة، وأن الروس مثلا لم يعدوا يهملون وجودهم العسكري القوي في بحر اليابان أو بحر الصين، ومؤخرا أجرت سفن أسطول منطقة بريموري الروسية مناورات تكتيكية لأسطول المحيط الهادئ مياه بحر.
وأيضا مؤخرا، أعلن الرئيس الروسي بوتين، أن الأسطول الروسي جاهز لردع أي عدو، وقال بوتين في كلمة ألقاها أثناء الاستعراض العسكري البحري بمناسبة يوم الأسطول الروسي في سان بطرسبورغ: «يضمن أسطولنا البحري بشكل ثابت أمن بلادنا ومصالحها الوطنية، وهو قادر على صد أي عدو كان، وسنقوم في المستقبل ببناء أسطول نادر من حيث قدراته. وهذا هو أسطول الدولة القوية ذات السيادة».
بقلم: حبشي رشدي

حبشي رشدي