كتاب وأراء

مَن يكنس شوارع الذاكرة

لأنها كانت تُلازمني جلّ الوقت، هي الصغيرة التي لا تُنكر مدى إعجابها بأفكاري وشخصيتي، قررتُ هذه المرة أن نَلعب معا لعبة أخرى، لعبة بعيدة عن سوريالية القَصّ (الحَكْي) ورقصة المقصّ..
ببساطة اقترحتُ على صغيرتي أن تَدخل معي معركة فكرية أخرى، فكان المطلوب باختصار أن أقترح اسما لشيء معين وأجعلها تحاكي ذلك الشيء وهي تتصوره لا يخرج عنها، ثم أنتظر منها أمنية..
دَرَّبْتُ الصغيرةَ على التعامل مع فكرتي من خلال كل إجابة كنتُ أراها مناسبة لي وأنا أتصور ذلك الشيء الذي أحاكيه وأقِفُ عنده متمنيةً ما أشتهيه..
ولأن اللعبة كانت مُسَلِّية، استمتعتُ كثيرا بتعليقها على إجابتي في كل مرة بقولها: «خطيرة أنتِ».. إلى أن جاء الوقت المناسب لتتقمَّص هي الدور وتُذهلني بإجاباتها..
وهذا أروع ما ذكَرَتْه جوابا عن سؤالي:
«تصوري أنكِ نار، فماذا تتمنين؟!»..
أجابت الصغيرة:
«لو كنتُ نارا لتمنيتُ ألا أكبرَ»..
سألتُها مرة أخرى:
«تصوري أنك سِكِّين، فماذا تتمنين؟!»..
ردت الصغيرة مجدَّداً:
«لو كنتُ سِكِّينا لتمنيتُ ألاَّ أجرحَ أَحَداً»..
تَرَيَّثْتُ مُعجَبةً ببلاغة صغيرتي (الله يحفظها وينجّيها ويحجبها من عين اللي ما يصلي على النبي)، وشعرتُ بأن الأجيال الصاعدة ربما ستكون أفضل بكثير من النسخة الواقفة على قدمٍ واحدة..
إن مسحا عابرا لعينات من الجيل العربي اليوم يقول إن هذا الجيل العربي مهووس بشيء واحد هو حُبّ الظهور والركض خلف الشهرة ولو بربع حنجرة تَجرفها الريح أينما شاءَتْ لها..
عالمنا العربي يحفل بقطعان مِن الشباب الضائع الذي لا يُفكر سوى في الغناء، مع أن الأصل أن مَن يُغني إنما يُغَنّي ليُعَبِّرَ، لكن معضلة هذا الشباب هو أنه يُغني بحثا عن غيمة ضالة من التصفيق الذي يدرّ المال بغباء، لا يهمّ هذا الشبابَ الذوق ولا الأسلوب ولا الكلمات ولا الأداء..
بين مَن يستعرضون ملابس النوم ومَن يَطيرون إلى كوكب الشهرة بلا بطاقة اعتراف، ولا تَذكرة، يضيع الفنّ ويتراجع عُشّاق الطرب، فإذا بالعروض الغنائية لا تستقطب غالبا غير مَن يَحكمهم المزاج والغريزة، فإذا بلغط الحضور يختلط بجلبة ما يتناوب على خشبة مسرح العرض مِن أجواء، وإذا بتاريخ عريق لِفَنّ الأمس تَضمر عضلاتُه قُبَالَةَ ما يَموج عند صانع فنّ اليوم، ومُتَلَقِّيه المزاجي، مِن خُوارٍ وثُغاء، ونُباح ومُواء..
حقا، كم يَلزمنا مِن معجزة وفتوحات كَيْ نُنقذ الفنّ، وقبله نُنقذ الجيلَ الضائع؟!
نافِذَةُ الرُّوح:
- «غيرَتُكَ على الآخَر أَشْرَف مِن غيرَتِكَ منه».
- «ما أَحْوَجنا إلى أمطار تُرَطِّب جَوَّ انتظار مَن يَكنس شوارعَ ذاكرة شَلل الأطفال الكبار!».
- «عِدْنِي يا ظِلَّهُ بسماء أخرى تَحْمِيني من قِيامة صغيرة».
- «تَحَسَّسْ شيئا مِن النور في لساني قبل أن تُظلِمَ الدنيا في عينيكَ».
- «رَتِّبْ أحلامَكَ على سُلَّم إصرارِكَ، وبادِرْ في كل مَرَّة بالتقاط حُلْم.. هذه وصفتك للنجاح».
- «بينَ يقيني وشكِّكَ ما بين جنون النبلاء وحكمة السفهاء».
- «سَأُصَدِّقُ أنني نَسِيتُ بُنودَ قانون جُحودِكَ لِأَسْتَمِرَّ في الدفاع عن نفسي».
بقلم: سعاد درير

سعاد درير