كتاب وأراء

الـحـكـمـة ضـالـة الـمـؤمـن

نزار عابدين
كاتب سوري
في مؤتمر أو مائدة مستديرة حول «الأديان والأخلاق»، جمعتْ مجموعةً من رجالاتِ الدّين من عقائدَ وأديانٍ ومذاهبَ شـتّى. كان من بين المناقشـين حكيم التبت تنزين جياتسو «دالاي لاما» (دالاي تعني المحيط باللغة المغولية، جياتسو بالتبتية تعني محيط الحكمة، أما لاما فتعني السيد الروحاني) القائد الروحيّ الأعلى الحالي لبوذيّة التبت، بعد انتهاء النّقاش، وجّه رجل دين مسيحيّ سؤالاً للدالاي لاما:
«يا سماحةَ الدالاي لاما ما أفضلُ الأديان من وجهة نظرك ؟» ولعل رجل الدين المسيحي كان يتوقع أنه سيقول: «بوذية التِّبت»، أو على الأقل «الديانات الشّرقيّة» الّتي تسبقُ المسيحيّة بقرون بعيدة. لكن «دالاي لاما» ابتسم، ثمّ قال بهدوء: «العقيدةُ الأفضلُ هي تلكَ الّتي تجعلكَ شخصاً أفضل. وتجعلك أقرب إلى طاعة الله».
ألحَّ الرجلُ في السؤال قائلاً: «وما العقيدة التي تجعل الإنسان شخصاً أفضل؟» فأجاب دالاي لاما: «هي العقيدةُ الّتي تجعلك أكثرَ رحمةً، أكثرَ إدراكًا، أكثر حساسية، أقلّ تحيّزاً وعنصرية، أكثر حباً، أنظفَ لساناً، أكثر إنسانيّة، أكثر مسؤولية، وذا أخلاق».
صمتَ رجلُ الدّين المسيحي مأخوذاً بالإجابة الحكيمة. لكنّ «دالاي لاما» أكمل قائلاً: «لستُ مهتمًّاً بعقيدتك أو دينك أو مذهبك. ما يعنيني حقًّا سلوكك أمام نفسك، ثمّ أمام نظرائك، ثمّ أمام أسرتك، ثمّ أمام مجتمعك، ثم أمام العالم، لأن جميع ما سبق سيشكّل كيانك وصورتك أمام الله. تذكّر أنّ الكون صدى أفعالنا وصدى أفكارنا، وأن قانون ( الفعل وردّ الفعل ) لا يخصُّ الفيزياء وحدها بل يحكم علاقاتنا الإنسانيّة. إذا امتثلتُ للخير سأحصدُ الخيرَ، وإذا امتثلتُ للشر، فلن أحصد إلا الشر. علمنا أجدادنا الحقيقة الصافية: سوف تجني دائماً ما تتمنّاه للآخرين». ثمّ ختم كلامه قائلا:
«انتبه جيّداً لأفكارك، لأنّها سوف تتحوّل إلى كلمات. وانتبه إلى كلماتك، لأنّها سوف تتحوّل إلى أفعال. وانتبه إلى أفعالك لأنّها سوف تتحوّل إلى عادات. وانتبه إلى عاداتك لأنّها سوف تكوّن شخصيتك، وانتبه جيّداً إلى شخصيتك لأنّها سوف تصنع قدرك، وقدرُك سوف يصنع حياتك كلّها».
إنها كلمات حكيمة من رجل حكيم. نعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، ولكننا إذا تأملنا كلمات هذا الرجل الحكيم نراه كأنه يتحدث عن الإسلام، ونتذكر أن نبينا (ص) قال: «بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقال: «المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده» ومن يتأمل القرآن الكريم وأحاديث المصطفى يجد أن ما قاله الدلاي لاما هو الإسلام في جانبه التربوي، وقد حول قبائل أقرب إلى الوحوش إلى خير أمة أخرجت للناس.

نزار عابدين