كتاب وأراء

خــريــف الـمـشـاعـر !

بقلم
د. سعاد درير
كاتبة مغربية
مسافات من العزلة الآكلة لقطعة القلب لن تَخونك يا صديقي لتقتلع جذور قدميك الضاربتين في مَهْد الإنسانية إلى حيث لا ورد ولا شوك، لا ضوء ولا ظل، لا حياة ولا موت، لا وجود ولا عدم..
إنها العزلة الذَّبَّاحة لإحساسك بطائر الروح الشجيّ، إنها العزلة الضاربة لك موعدا مع جنودِ خفاءِ الغَدِ الشقيّ، إنها العزلة الحالفة أن تَطير بكَ في قفزة واحدة إلى فُوهتَيْ بندقيةِ الوقت حيث التشيؤ واللاصوت يَتربَّصان بكَ..
في جحيم التمني يَعصرك سِربُ الآه الذي أقسم أن يموت مُعَلَّقا على أغصان الكبرياء المتداعية جُدرانها، وتحت مظلة الدموع الماطرة مطرَ ما قبل اتساع ثَغْرِ النهايات ها هو يُداويك الوَلَهُ مِن حيث لا تَدري أنتَ وجعكَ..
تَنزلق خُطا رغبتك في التمرد إلى حيثُ تَجرفك رِمال الزمن المتحركة بكَ في اتجاه الهاوية، وبين صلاة الوعد وفجر التضحية يَسرقك حلمٌ استحال كابوسا بعد أن انتشلَك ليلُ التجربة الْمُرّ مِن حيث لم تكن تحسب حسابَها جِيادُ الرغبة الجامح شوقها إلى باحة انعتاق عبورا على جسر انتظار كادَتْ قضبانُ خشبه العتيقة تتهاوى..
صَدِّقْ يا صديقي أنها مُؤَثِّثاتُ مشهدٍ كَمْ يؤلِم أن تَصطاده رصاصةُ العين، لكنها شفاهُ الحزن تُفَصِّلُه بَوحاً على مقاس اعترافاتِ قِدِّيسَة لن تَكون سِوى الأنثى الهاربة مِن فرشاة الفنان جاكوب شيكانيدر Jakub Schikaneder.
قِدِّيسةُ جاكوب شيكانيدر ثِقْ يا صديقي بأنها ضَليعة في العَبَث بألوان قوس قزح بعد أن هوى قُرصُ الشمس الذي ما عاد يَعِدُها بقطف عِنَِبه، وبالْمِثل تَوارَتْ ابتسامةُ محيا سمائها تلك التي اكْفَهَرَّ عندها الأُفُقُ الْمُلَبَّد بالهموم..
أوليست تلك هي السماء التي ما عاد مطرُها يَشتهي بطلةَ جاكوب شيكانيدر إلا دموعا تعانق الخدَّيْن وتُضمِر ينبوعَ إشراق غابَ عن شفاه الْمَلَذَّات أن تَتَّخِذَها «طلعَ حُسنٍ» يَبحث لحذاء الغواية عن مَلاذات؟!
بين أول الْحَبْو وآخِر البَوْح، يُرتِّبُ القدَرُ فوضى امرأةٍ وحيدة، هي امرأة فعلاً وحيدة، امرأة هي قد طاب لخالقِ حياتها الصغيرة جاكوب شيكانيدر أن يُخَزِّنَ في ملامحها الدامعة والذابلة شهوةَ الحنين إلى قلعة الموت ووحشةَ التسلل إلى ما وراء ليل الخوف الجاثم عند رصيف قلبها..
أوليس هو قلبُها القلب الذي كفرَ به القلبُ؟!
هي أسرار مُلْقاة على امتداد مسافات الطريق اللامرئي بين اللون والفُرشاة، أسرار هي عن عالَم المرأة الأكبر منه ما يَحمله عنه الفنان جاكوب شيكانيدر مِن أفكار تُقاسُ بطول جِسر الْمَحَبَّة المنفي بين تاء التأنيث وقبيلة الذكور المجنَّدين لتعذيبها هي الْمُنْقادة المتقلِّبة بين كَفَّيْن، فإمَّا السادية، وإمَّا المازوشية..
- ما قبل باب الندم.
- ما بعد حائط الحسرة القصير.
دَعْكَ يا صديقي مِن هذا وذاك، وانْظُرْ إلى هذا الْمَلاك، إنه هذا الملاك الساكن في قلب امرأة مهمومة شُطآنها بالعودة المؤجَّلة لسُفُن الحُبّ، امرأة هي تَجِد من الشجاعة أن تَكفر بكل قلب، فما بالك بالقلب الذي نَأَتْ عنه أشجار قلبها الزاحفة زحفَ ثعبان خانَتْه صرَّة السمّ!
لا سلاح للمرأة غير رغبتها في الانتقام تلك التي تُوَزِّعُ كعكَ الموت على ذكور القبيلة. أما المرأة التي يحكي حكايتَها جاكوب شيكانيدر، فإنها لا تَنقصها الوسيلة، لكنه قلبها الأمَّار بإعلاء لواء الفضيلة..
فضيلة المرأة تَفتح لك جنتَكَ المفقودة في الدنيا على مصراعيها، إنها جنة البراءة المنسية، وحالة البكاء المستعصية الرغبة في الإقلاع عنه في مشهد المرأة الوحيدة لا شك في أنها تَرفعك إلى أعلى شرفات الطُّهْر تلك المضيئة بعبق الصدق الذي يستحيل معه التفكير في الخيانة، حتى لو كانت خيانة للمشاعر فحسب..
ألوانُ الحياة تتضاءَل مساحاتُها ويَتَقَلَّص حُضورُها، فإذا بلون واحد يُخَيِّم على مشهد المرأة الوحيدة تلك التي يُقَدِّم فيها البَليغ جاكوب شيكانيدر العَزاء للنساء، فلا موعد مع الانتقام، ولا موعد مع الخيانة، ولا موعد مع الحيلة، لا شيء سِوى لسان الحضور النوستالجي يَتَمَدَّد..
مِن نافذة الذاكرة الحالِفة ألاَّ تَرحل، ها هو يُطِلُّ علينا حزن بحجم العالَم الذي تَسكنه الأنثى، حزن ينتصب واقفا، ولا يموت، لا يموت الحزن كالأشجار، لكنه ينتصب واقفا شاعرا بالمهزلة التي يَسقط فيها نظامُ القلب..
بين اعتناق دين القلب ورِدَّته ما بين خشبة الحياة ومنشار الموت، وبين الزي الفضفاض للمرأة المهمَلة المشاعر وصرة أيامها الهزيلة، تلك الملقاة جانبا، هنا ستَقِفُ يا صديقي عند ألفِكرةِ النَّوَاة للنص الذي يَطلب منكَ الفنان جاكوب شيكانيدر أن تَكتبه بإحساسك..
سديم يَأكل المجال المكاني ذاك الذي تتلاشى فيه حكاية أخرى من حكايات الشقاء التي تَكتبها ريشة الحُبّ وقد اندَلَقَتْ دَوَاتُها لتُغْرِقَ المشهدَ في بحرِ دموع لا لون لها، لكن لها ظِلاّ..
أوليس هذا خريف المشاعر يَضرب لقلب المرأة الثائر موعدا مع نشيد جنائزي يَتَأَبَّطُ الرحيلُ دفترَه؟!
أوليست هذه بداية النهاية تتمدد تَمَدُّدَ خلايا سرطان رأى مِن غير الحكمة ألا يدرّ الملحَ في عيون القلب؟!
أوليست هي هذه رمزية مصطبة الانتظار تلك الحافلة بحزن امرأةٍ وَجَدَ القَدَر مِن العدل ألاَّ يقاسمها صانعُ أحزانها شيئا من سجق الوجع الحارّ حرارة فلفل أسود يُخَبِّئُه لك الزمن في قلب كعكة الحياة؟!
إنه الانتظار يُقَلِّب قلبَ المرأة الغرّ فوق حطبٍ تأكله النار، ولا غرابة أن يَلعب الانتظار البطولةَ نفسَها التي تَجَسَّدَتْ على المستوى المادي في صورة المرأة المنطفئة المشاعر..
الانتظار يُغَطِّي المساحةَ المركزية في المشهد قبل أن يُلقي بظلاله على ما تجاوزَ المركز، ولْتَنْظُرْ يا صديقي كيف استغرقَ اللونُ الحنطي كل المشهد من باب الانتصار لرمزية حالة الانتظار..
حالة الانتظار هذه كان مِن الطبيعي أن يُعَبِّئَ جاكوب شيكانيدر مشهدَها بمناخ خريفي تستعصي معه الرؤية بالعين، بعد أن تَعَذَّرَتْ الرؤيةُ بالقلب عند المرأة المستبعَدة بالقوة..
ولْنَقُلْ إن هذه الرؤية الضبابية التي تتزامن مع أجواء الخريف قد تَرَكَتْ طابعها الخاص ذاك الذي تَسكنه الحالة الخريفية في عدد هائل من لوحات جاكوب شيكانيدر، ولا غرابة أن يُحيل الخريفُ والشتاء اللذان يَتَسَيَّدان مشاهدَ الفنان التشكيلية على الفوضى النفسية والتمزقات النفسية والتشظيات الروحية إلى جانب وطأة الإحساس بالبرود وما إلى ذلك من أعراض تُوحي بتآكل الشخصية الأنثوية..
وضعية المرأة، في المقابل، تَزيد مِن الإيحاء بِتَغَوُّل حَيِّز الانتظار ذاك الذي لا تَجِد أمامَه المرأةُ المتخَلَّى عنها إلا أن تَنْكَفِئَ على وجهها باستسلام وهي تُذعن كل الإذعان لأمرِ القَدَر..
دَعِي دموعَ السماء تربت على كتفك، يا وحيدة، إن خانتكِ دموع العينين وأبت سماؤهما أن تَجود بدمعة واحدة تُذكَر، فالأقسى والأكثر مِحْنة ما تَبوح به العيون الجافة!
بهذا يَرسم جاكوب شيكانيدر ملامح انتكاسة أنثى، هي حقيقةً الأنثى التي لفَظَتْها دائرة الزمن بعيدا عن جُدرانه على غير وَعْدٍ بإعادتها إلى سيرتها الأولى..
هكذا يَشحب صبحُ الصبر، وتَفرغ قارورةُ العمر إلا من دموع وَجَدَتْ مِن الحكمة ألا تسمح للأيام الجاحدة بأن تَذرفها أغنيةَ شتاءٍ غاب عن المرأة أن تَتَهَيَّأَ للياليه، في غياب مدفأة تُزود أوردةَ القلب برصيد سِرّي يكفي للحيلولة دون إفلاسه..
حقول الكآبة تَعِدُ بسنابل ممتلئة في مشهد لوحة جاكوب شيكانيدر، والجلِيّ بالنسبة للرائي بعين التأمل في لوحات جاكوب شيكانيدر هو حرص صاحبنا على أن تَلتقط ريشتُه كل ما يجول في ذهنه مِن أفكار تتمحور حول البؤس والكآبة والشجن والعزلة وما إلى ذلك عند كائنات بَشرية تَأخذ لها مكانا على الهامش هي المنزوية تحت قُبَّة الخوف في قِمَّة ارتعاش وجدانها..
ولهذا كان من الطبيعي أن يَتفوق جاكوب شيكانيدر في تقمص شخصية المرأة التي تُرِكَت وحيدة بعيدا عن عين رحيمة تَمْتَصُّ شيئا مِن إحساسها بالغِياب بعد أن نبذها قلبٌ لم يَجِدْ حَرَجاً في أن يُمَزِّقَ أوراقها القَلبِية..
وُعود القلب مِن العيب أن تخلف، وعلى يَدِ مَن؟ على يَدِ رجُل كان بالأمس كل شيء، وما عاد اليومَ شيئا.. هو بالتالي البطل الخَفِيّ الذي جعلَ من بطلة اللوحة امرأة ضعيفة كان مِن السهل على حصانها أن يَنهزم في معركة الزمن الشَّرِسَة..
هي رسالة يَنقلها ألفَنّ عَبْرَ الفرشاة، إنها فرشاة التشكيلي التشِيكي جاكوب شيكانيدر، والرسالةُ مَفَادُها أنَّ المرأةَ كائن معذَّب بإحساسه بِقَدْر رَهافته وشفافيته ورِقَّتِه.. وكَما يَليق بكَ يا عزيزي أن تُلَوِّنَ شِفاهَ ابتسامتها الحُلوة بلون الورد، كُنْ حريصا ما أمكنَ على ألا تَسمح لدمعة موجِعة بأن تحرق غاباتِ أنوثتها أو تَسرق بريقَ الفرَح وعُنْفُوانَ الحُبّ مِن ثَغْرِ وردةٍ تَهمس إلى بَلابِل القلب بِشِفاه شَبِقَةٍ..

سعاد درير